عــصــام زيــدان
Essam_zedan30@hotmail.com
ليس المهم في مجال العلاقات التركية ـ الإسرائيلية مجموعة الحوادث المتفرقة التي يتخذها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان بدءً من اعتراضه وانتقاده اللاذع لجريمة إسرائيل في غزة نهاية العام 2008, وأخيرا تهديده بسحب السفير من إسرائيل ما لم تقدم اعتذارا مكتوبا, مرورا بموقفه الحاسم في قمة دافوس وتحديه للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز, وإلغاء مشاركة "إسرائيل" في مناورات "نسر الأناضول" التي تشارك فيها الولايات المتحدة.
فقد أخذت هذه المواقف الطيبة من الطيب أردوجان أهميتها الظاهرة, عند كثير من المتابعين, من كونها غير مسبوقة على الساحة الدولية, حتى من قبل الولايات المتحدة التي لم تستطع أن تجبر إسرائيل يوما على الاعتذار حتى بعد أنشطة التجسس بالغة الخطورة التي قامت بها, كما لم تقف دولة من قبل في وجه الغطرسة الإسرائيلية وتهددها بسحب السفير.
ما المهم إذن؟
المهم, برأينا, هو دلالة هذه الأحداث مجتمعة مع مجموعة من توجهات السياسية الخارجية التركية التي تريد أن تصنع تركيا مغايرة لمخلفات الوضع الذي صنعه أتاتورك وأساطين العلمانية في مؤسسة الجيش والخارجية من بعده.
فبعد سقوط الخلافة العثمانية في العام 1923 أصبحت "تركيا ـ أتاتورك" دولة أوروبية، وانضمت إلى حلف شمال الأطلسي، وحاولت النخبة العلمانية سواء على المستوى السياسي أو العسكري ترسيخ هذا المفهوم وفرضه على الشعب التركي، ومحاولة سلخ المواطن المسلم عن أصوله وجذوره الشرقية، وكان الجيش بالمرصاد لكل من يحاول أن يتحدى هذا التوجه الذي يتعارض كلية مع رغبة الشعب التركي المسلم.
كان هذا التوجه من قبل النخب العلمانية التركية المتطرفة هو التوجه الوحيد, والسياسة التي لا تعرف تركيا غيرها, وعلى أساسها يتم تفصيل السياسة الداخلية والخارجية, وكافة المناشط المتعلقة بالدولة والمجتمع والأفراد.
وجرت الانعطافة الحادة في التوجهات السياسية الخارجية التركيةبعدما تولى حزب العدالة والتنميةالحكم في العام 2002, حيث شهدت الجمهورية الجديدة عديدا من الجهود والأنشطة الدبلوماسية في مجال السياسة الخارجية، مغايرة تماما لتلك الحقبة, تسعى لتعزيز مكانة تركيا الإقليمية، وتكشف عن طموحاتها السياسية الجديدة, وتعدد محاور اهتمامها.
ومن الملاحظ, ضمن هذه التوجهات,أن تركيا سعت, ضمن نظرتها التطويرية لسياستها الخارجية,تجاه دول الشرق الأوسط, واتخاذ زاوية رؤية تمكنها من التفاعل بجدية مع العالم العربي، والوضع الإقليمي في شكل يؤدي إلى استقطاب عربي ـ تركي متبادل.
وهذه التوجهات ترتبط حقيقة ببرنامج حزب العدالة والتنمية، وتخطيطه لتركيا العثمانية, بل وترتبط أكثر بمُنظر الإستراتيجية التركية الجديدة، الذي يشغل الآن منصب وزير الخارجية، وهو أحمد داوود أوغلو، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بايكنت.
فقد حدد أوغلو أسس السياسة الخارجية الجديدة التي تعمل أنقره على تطبيقهاخلال المحاضرة التي ألقاها تحت عنوان "السياسية الخارجية التركية تجاه الشرق الأوسط" بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجيةفي عدة محاور كان على رأسها الموازنة في مجال العلاقات الخارجية, بحيث لا تكون علاقات تركيا مع أي طرف بديلا عن العلاقات مع طرف آخر.
فقد شدد أوغلو, في محاضرته, على أن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي لن يؤثر على دورها في الشرق الأوسط, "لأننا سوف نكون أتراك ومسلمين داخل الاتحاد ولكن في الوقت ذاته نحن جزء من الثقافة الأوروبية كما إننا ننتمي للشرق الأوسط وقارة آسيا".
وحاولت الزعامة التركية الجديدة إمساك العصا من المنتصف بإعلانها أنها تريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مع احتفاظها بقيمها وتقاليدها الشرقية والإسلامية، إلا أنها فوجئت بالرفض الصريح, وخاصة من قبل كل من ألمانيا وفرنسا اللتين عارضتا انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بحجة أنها دولة مسلمة، وأنه لا مكان لنحو 70 مليون مسلم في الاتحاد الأوروبي، بعد أن فرضوا على تركيا شروطا تتعلق بكافة مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، الأمر الذي دفع أوغلو للقول بأن أوروبا بحاجة إلى تركيا بنفس مستوى حاجة تركيا إلى أوروبا.
ولكن, ما علاقة ذلك بعلاقة تركيا بإسرائيل والعالم العربي؟
هنا يمكن القول أنه إذا كانت أوروبا لاتزال تعطي مهلة مفتوحة بانضمام تركيا لاتحادها، وتكتفيبالرغبة في معاملتها بشكل مميز, فقد ذهبتتركيا تستعيض عنها بسلسلة من النجاحات في المحيط العربي والإسلامي الذي أصبح يرى فيها أفقا جديداعلى المستوىالاقتصادي والسياسي.
فالعداء الأوروبي لكل ما هو مسلم، والمماطلة في قبول تركياشكلت صدمة أيقظت الزعامة التركية مجددا، حيث أخذت تركيا ترجح جانبها الشرقي الإسلامي, على حساب الرغبة في الانضمام للأوروبي, الذي بات مستحيلا, على ما تعتقد الزعامة التركية الجديدة.
وهذا الترجيح ألقى بظله الثقيل على العلاقة التركية ـ الإسرائيلية, حيث فقدت "إسرائيل" مكانتها في سلم السياسية الخارجية, حيث لم تعد البوابة التي يمكن لتركيا العبور منها إلى الاتحاد الأوروبي، على خلفية الأبواب الموصدة في هذا الاتحاد أمام الوجود التركي.
ومن هنا بدا الأتراك في اتجاه تقليص مفاعيل التحالف الاستراتيجي مع"إسرائيل", وكان ذروة هذا التحول خلال العدوان الإسرائيلي على غزة والمحرقة التي ارتكبها جنود الاحتلال، والانتفاضة التي تبدت في مواقف أردوجان خلال مؤتمر دافوس الاقتصادي في مواجهة بيريز.
الأمر الثاني الذي أفقد "إسرائيل" مكانتها في دائرة السياسية الخارجية التركية, كونها كانت تمثل كابحا للدور الذي تبحث عنهتركيا في المحيط العربي والإسلامي, على خلفية العداء العميق بين العالم العربي والإسلامي وبين "إسرائيل".
فتركيا, ومع خمود الرغبة في التوجه ناحية أوروبا, بدأت تطور علاقتها مع العالم العربي والإسلامي, الذي ترى فيه عوضا وبديلا يمكن أن يرفع أسهمها في المجال الإقليمي والدولي.
وعند التتبع سنجد أن تركيا اتخذت سياسيات تحقق لها هدفها المزدوج, الاقتراب من العالم العربي والإسلامي, وتجفيف جسور التعاون مع إسرائيل, وفي مقدمتهاالاقتراب من القضية العربية المركزية، وهي القضية الفلسطينية، والتفاعل معها إيجابيا، وتكريس القادة الأتراك أنفسهم كرأس حربة للدفاع عنها في المحافل الدولية.
خلاصة القول أن تركيا العثمانية راحت تبحث عن تاريخها المزدهر, فوجدت فيه إمبراطورية عظيمة شكلت وجه التاريخ, فاردات أن تعيد ذلك التاريخ, ووجدت في الصدود الأوربي سبيلا لإعادة بناء الجسور مع العالم العربي والإسلامي والذي يقتضي تهميش الجسور مع إسرائيل أو تقليصها..وعلى هذا الوجه نفهم سياسية تركيا الخارجية ونضع كافة تصرفاتها المدهشة.