
شريف عبد العزيز
مفكرة الاسلام: في أعقاب سقوط غرناطة أخر حصون الإسلام بالأندلس بيد إسبانيا الصليبية سنة 897 هجرية، هاجر كثير من المسلمين من الأندلس فراراً بدينهم من الاضطهاد المنتظر، أما من لم يستطع الهجرة فقد تعرض لحملات تنصيرية إجبارية من قبل الكنيسة الإسبانية بدعم كامل ومباشر من بابا روما وملكي إسبانيا فرناندو وإيزابيلا، وأكره مئات الألوف من المسلمين علي ترك دينهم، فاعتنقوا النصرانية ظاهراً، وظلوا علي إسلامهم سراً، وأطلق عليهم اسم الموريسكيين، أي المسلمين الصغار، ولكن قساوسة إسبانيا كانوا دائماً يشكون في صحة ولاء وتنصر هؤلاء الموريسكيين، من أجل ذلك أنشأ الكاردينال" خمينيس" أسقف إشبيلية محكمة للتحقق من صحة إيمان هؤلاء الموريسكيين بالمسيح، وتركهم التام للإسلام وكل ما يتعلق به، وهي المحكمة التي عرفت تاريخياً باسم محكمة التفتيش، والتي كانت مسئولة عن اجتثاث الإسلام من الأندلس ، ومن أجل ذلك قتلت قرابة الخمسة ملايين موريسكي، وكان القتل في محكمة التفتيش بأبشع الوسائل وأكثرها وحشية، والروايات التاريخية الإسبانية نفسها تشهد علي فظاعة جرائم تلك المحاكم التي صارت عنواناً للتعصب والحقد .
الانتخابات وتشابك المصالح
الانتخابات العراقية وتحضيراتها تشغل بال المواطن العراقي والمواطن العربي خلال هذه الأيام علي خلفية الصراعات المحتدمة بين الكتل السياسية علي اختلاف أطيافها، فالمشهد السياسي العراقي مشهد شديد التشابك والتدخل نظراً لكون الأطراف الفاعلة في الشأن العراقي هي في حقيقة أمرها أطراف خارجية لا تضمر إلا عداوة العراق ما بقيت، ولا تريد إلا تكريس الهيمنة و السيطرة علي هذا البلد العريق الذي كان يوماً ما قلب الخلافة الإسلامية، ومركز العالم القديم .
ألاف المرشحين وعشرات التشكيلات السياسية ومئات الهيئات الداخلية والخارجية، وتحالفات من هنا وهناك، ولعب بأوراق اللحظات الأخيرة، وعبث بأوتار التوترات العرقية، ومداخلات بين الأطياف المختلفة، وأعمال عنف وتفجيرات لا يعلم من الجاني فيها، تراشق وتلاسن واتهامات لدول الجوار باستثناء الطرف الإيراني الذي لا يستطيع أي سياسي عراقي طموح أن يوجه إليها نقد أو لوم .
هذا المشهد العبثي الفوضوي للساحة السياسية العراقية تحركه أصابع خارجية ليست خفية من أجل المحافظة علي مصالحها الخاصة داخل العراق، وذلك بتمكين الأحزاب والجماعات والأطراف الموالية لها في إدارة شئون البلاد والتسلط علي دفة الحكم فيه ، أي احتلال جديد بالوكالة لهذا البلد المنكوب بأزماته المتلاحقة .
اجتثاث البعث أم تكريس الطائفية
في سنة 2004 في ظل إدارة بريمر الأمريكي وبإيعاز من العميل المزدوج الإيراني / الأمريكي أحمد الجلبي، صاحب فضيحة الاختلاس الشهيرة ببنك البتراء الأردني ، وأحد مهندسي الاحتلال الأمريكي للعراق، تم سن قانون ما عرف بقانون اجتثاث البعث، ومن ثم أصبحت مادة من مواد الدستور العراقي المعدل، وذلك من أجل تتبع كل المنتسبين للحزب السابق، ومنعهم من العودة للحياة السياسية العراقية، وطبعاً كان هذا هو المعلن، ولكن سرعان ما تبين الدور الحقيقي لهذه المادة الدستورية المشبوهة .
ففي سنة 2007 أصبح القانون ممثلاً في لجنة المسائلة والعدالة، وترأسها أحمد الجلبي ومساعده علي اللامي وهو شخص غارق حتى أذنيه في دماء العراقيين، فهو احد قادة جيش المهدي التابع لمقتدي الصدر، وعلاقاته بإيران وثيقة للغاية، خاصة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني و المكلف بتتبع قادة أهل السنة واغتيالهم بأبشع الوسائل، اللامي هذا تم القبض عليه في 27 أغسطس سنة 2008 من قبل القوات الأمريكية في مطار بغداد بعد تورطه في عملية استهدفت عدداً من الجنود الأمريكان في مدينة الصدر، قد تم ضبط بحوزته قوائم إيرانية بأسماء الكثير من الشخصيات السنية البارزة في العراق بغية اغتيالها وتصفيتها .
ومن ثم نستطيع وبكل سهولة أن نعرف الدور المشبوه التي ستقوم به هذه اللجنة، فهي جاءت تحت ظل الاحتلال، وبإيعاز من جاسوس مختلس ، ويشرف عليها عميل إيراني بدرجة سفاح، وبالتالي فمهام هذه اللجنة ومنذ أن قامت انحصرت في تهميش أهل السنة، وإبعادهم من الحياة السياسية التي يريد الشيعة أن يستفردوا بها في العراق،وإقصاء أهل السنة من المشهد السياسي والحياة العامة كلها إن أمكن هذا، وتتبع زعامات أهل السنة حتى من كان من ذوي الاتجاهات العلمانية منهم مثل المطلق و النجيفي والعبيدي وغيرهم ، فالمهم ألا يبقي لأهل السنة من يمثلهم أو يعبر عنهم، حتى أن البعض وصف لجنة اجتثاث البعث بأنها لجنة اجتثاث البعض وهم أهل السنة .
قراءة في قائمة ال 500
آخر جرائم هذه اللجنة كان أثناء التحضير للانتخابات القادمة، حيث قررت اللجنة استبعاد 15 كياناً سياسياً عراقياً، و500 مرشح بتهمة الانتساب للبعث، وفوجئت الأحزاب السياسية والساسة والمراقبون العراقيون أن الغالبية العظمى من هذه الكيانات تابعة لأهل السنة، وكذلك غالبية الأسماء المستبعدة، في خطوة مستفزة ومفضوحة هيجت الرأي العام العراقي، خاصة وأن 80 % من المستبعدين من أعضاء البرلمان، ورؤساء كتل برلمانية أيضاً، وبعضهم من الوزراء مثل وزير الدفاع عبد القادر العبيدي، ورافع العيساوي نائب رئيس الوزراء، ووزير الكهرباء كريم حامد، ووزير السياحة قحطان الجبوري، بل إن المضحك في القائمة أن بعد المستبعدين كان ممن شارك في كتابة الدستور العراقي الجديد بمواده الإضافية، بما فيها المادة الخاصة باجتثاث البعث .
وصدرت التنديدات القوية بشأن هذه الأسماء المستبعدة، فوصفه إياد علاوي رئيس الوزراء السابق بأنه "تمزيق للمصالحة الوطنية "، في حين كان المطلق أكثر وضوحاً وصراحةً عندما وصف الاستبعاد بأنه " تهميشاً لأهل السنة " وقال النائب ظافر العاني " السياسات الانتقامية التي تمارس اليوم أعطت رسالة للمجتمع الدولي بأنها انتكاسة حقيقية للمصالحة الوطنية " في حين نبه المحلل العراقي ابراهيم الصميدعي إلي أن المجتمع الدولي قد يرفض نتائج الانتخابات لتشدده علي مسألة المصالحة، في حين يري الدكتور حميد فاضل أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد أن القرار لن يتم الموافقة عليه من قبل هيئة التميز لتنامي الضغوط الخارجية والداخلية ضد هذا القرار، أما اللواء حسين كمال وكيل وزارة الداخلية لشئون الاستخبارات فيعلق علي القرار بقوله : هناك قرار سياسي بتجميد السنة تماماً، ولكن السنة حزب قوي علي الساحة العراقية، وبدونهم لن يتمكن أحد من حكم العراق .
دوافع القرار المثير للجدل
علي الرغم من أن معظم المحللين والمتابعين للشأن العراقي يري في هذا القرار استهدافاً للسنة وتحييداً لهم في الانتخابات القادمة، تجنباً لمشاركة سنية قوية خاصة وأن أهل السنة قد وعوا درس انتخابات 2005، وخطورة الانسحاب من العملية الانتخابية في المستقبل، ومن المتوقع أن يكون الإقبال شديداً علي العملية الانتخابية في المحافظات ذات الأغلبية السنية، مما يعكس حالة التخوف الشيعي من وصول العديد من الرموز السنية الكبيرة لمناصب هامة في التشكيلة الحكومية، لذلك أقدمت اللجنة علي هذا القرار المثير للجدل، ولكن الموضوع قد يكون أعقد من ذلك بكثير .
فالعراق اليوم يحكمه ائتلاف مكون من شخصيات متنافرة فكرياً، ومختلفة إيديولجياً، ومتعادية طائفياً، ولكنها متفقة في مصالحها الخاصة، وهذا الاتفاق علي وحدة المصلحة دفعها للقفز علي كل عناصر التباين بينها، في سبيل المحافظة علي كرسي السلطة، وقطع الطريق علي كل من يهدد هذه المصالح، فقرار الإبعاد تجاهل الكثيرين من المنتمين للبعث سابقاً، وأسماؤهم الآن تملأ القوائم الانتخابية، مثل قائمة شهيد المحراب التابعة لتيار الحكيم، والمرشحة عن البصرة، ففيها عدة أسماء لبعثيين سابقين، لهم مواقف معروفة أيام حكم صدام، وقائمة ائتلاف القانون التابعة لتيار المالكي في بغداد بها الكثير من البعثيين السابقين، فالمسألة ليست بعثية أو سنية في المقام الأول بقدر ما هي المصالح والحسابات الخاصة .
أيضا واضعو القرار الجائر يرمون في الأجل البعيد لتكريس مفهوم في غاية الخطورة والمغالطة أيضاً، ألا وهو مفهوم أقلية أهل السنة، وهو ما يسعي إليه شيعة العراق منذ أمد بعيد بإظهار أنفسهم بالأغلبية التي يحق لها السيطرة علي مقاليد الحكم كما هو معروف في كل دول العالم، والكلام عن أقلية أهل السنة يفتح المجال أمام استلهام التجربة الإيرانية في الحكم ودستور ثورتها الخومينية الذي يحظر علي غير الفارسي الجعفري أن يكون رئيساً للبلاد، علي الرغم من كون أهل السنة بإيران يمثلون 35 % من إجمالي السكان، ولعل ذلك هو الهدف الأبعد والأخطر من عمل هذه اللجنة المشبوهة، فتكريس إقصاء أهل السنة من الحياة العامة بأسرها، تمهيداً لوضعهم في خانة الأقلية التي عادة ما تكون مسلوبة الحقوق ومهدورة الخدمات، فهي لجنة الانتقام والتمهيد لتطبيق النموذج الإيراني علي أرض العراق، وهو النموذج الذي أصبح علي شفا التنفيذ الفعلي .
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"