عــصـام زيــدان
Essam_zedan30@hotmail.com
لا تخطئ العين المجردة رغبة الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية وكافة دول الجوار الأفغاني في دمج حركة طالبان الأفغانية في العملية السياسية, وإنهاء التدخل العسكري الذي تخطى عامه العاشر.
الولايات المتحدة, على اعتبار أن لها اليد العليا في أفغانستان, هناك عدة دوافع تدعوها لإعلان هذه الرغبة والدفع باتجاهها, فقد اعترف وزير الحرب الأمريكي روبرت جيتس خلال زياراته الأخيرة لدولة باكستان بأن حركة طالبان الأفغانية هي جزء من النسيج السياسي في أفغانستان, مضيفا أن السؤال هو ما إذا كانت حركة طالبان مستعدة للقيام بدور مشروع في النسيج السياسي لأفغانستان مثل المشاركة في الانتخابات.
أيضا ستانلي مكريستال قائد قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان لوح بذات الأمر, حيث دعا مسلحي طالبان لقبول اتفاقية سلام وإنهاء الحرب, وأثار في حديث مع صحيفة فاينانشال تايمز احتمال أن تدير طالبان البلاد في المستقبل.
ولكن ماذا عن الدوافع التي تحرك الولايات المتحدة في هذا الاتجاه؟
هناك عدة دوافع, في مقدمتها فشل احتواء طالبان عسكريا, حيث أثبتت طالبان أنها قادرة على إدارة الحرب لسنوات طويلة, وعلى أكثر من جبهة بكفاءة عالية.
فهي قادرة على مواجهة قوات الاحتلال الأمريكي, والقوات الحكومية الأفغانية المتحالفة معها, ولا تتوقف إداراتها على الصمود في المواجهات فقط, بل في مقدورها أيضا شن هجمات نوعية, على غرار هجمات كابول التي وصلت بمقتضاها إلى القصر الرئاسي, وأخطر مؤسسات الحكم في البلد.
أي أن طالبان أثبتت لقوات الاحتلال أنها رقم صعب على المستوي العسكري, يصعب هضمه واحتوائه, حتى مع الاستراتيجية الجديدة التي تم أدت إلى زيادة ضخمة في عديد القوات الأمريكية العاملة.
كما أن الاستراتيجية التي حققت بها الولايات المتحدة بعض النجاحات في العراق, من خلال ما يسمى بتجربة الصحوات, التي واجهت بها القاعدة غير قابلة للتحقق في أفغانستان, نظرا لان عناصر القاعدة في العراق كان غالبهم من خارج الأطر القبلية العراقية, وكان من السهل حينذاك مواجهتها بقوات قبلية, وهو عكس الوضع في أفغانستان, فطالبان الباشتونية أفغانية حتى النخاع.
أضف إلى ذلك رخوية القوات الحكومية التي بنتها القوات الأمريكية, فهي تحتاج لأكثر من 20 عاما, وفق تقديرات كرزاي نفسه, لكي تتمكن من الاعتماد على نفسها في مواجهة عناصر طالبان, ولاشك أن الولايات المتحدة لا تحتمل البقاء في هذه البلاد طوال هذا الوقت.
وإذا كانت هذه بعض الدواعي المرتبطة بالإطار العسكري, فثمة دواعي أخرى سياسية, لعل في مقدمتها فشل حكومة كرزاي في السيطرة على الأوضاع المدنية, وإصابة البلد بما يشبه الشلل السياسي, نتيجة الفساد والضعف المسيطر على هذه الحكومة.
أضف إلى الدواعي السياسية أن طالبان هي فعليا من يحكم أفغانستان, حيث أكد مسئول رفيع في الاستخبارات العسكرية للحلف الأطلسي (ناتو) في كابول أن طالبان تملك حكومات خفية في 33 من أصل 34 ولاية في البلاد, مضيفا أن زعيم الحركة الملا عمر لديه حكومة جاهزة لتولي السلطة بكامل وزرائها، يوم سقوط حكومة الرئيس حامد كرزاي.
وهل هذا يعنى أن الولايات المتحدة مستعدة للتضحية بمجهوداتها السابقة في أفغانستان والتخلي عن أهدافها في مقابل ذلك؟
الولايات المتحدة, برأينا, ليست على استعداد لتقديم كابول لقادة طالبان على طبق من ذهب, فهي قد وضعت عدة اشتراطات كي تحافظ على دور مستقبلي لها في أفغانستان, وعدم عودتها لتكون مركزا لانطلاق عمليات ضدها من قبل تنظيم القاعدة, ولذلك نجد أبرز اشتراطاتها لقبول طالبان سياسيا قطع علاقتها بتنظيم القاعدة, والتنظيمات المسلحة الأخرى, وأن يكون وجودها في نظام سياسي, على قاعدة المشاركة مع الحكومة الأفغانية وباقي القوى السياسية, وليس التفرد بالحكم, وأن يكون للولايات المتحدة حق التدخل في تشكيل الحكومة وتسمية الشخصيات التي تتولى المناصب المدنية الكبرى.
والمتوقع أن ترفض طالبان, من جانبها, مثل هذه الاشتراطات, بل نراها ذهبت تضع شروطها في مقابلة الشروط الأمريكية, وكان أبرزها انسحاب كافة القوات الأجنبية من أفغانستان, وفي مقدمتها القوات الأمريكية, وأن علاقة الحركة بغيرها من الجماعات والحركات المسلحة شأن خاص بالحركة ذاتها, وليس لأحد التدخل فيها.
كما اشترطت عدم تدخل المجتمع الدولي في الشؤون الداخلية لأفغانستان بعد انسحاب قوات الاحتلال, وأنه لا مجال لعودة العمل السياسي وفق المفاهيم الديموقراطية الغربية, بل وفق مقتضيات الشريعة الإسلامية.
وبالجملة سيكون من الصعب إقناع زعماء طالبان بالتصالح مع الحكومة في الوقت الذي يعتقدون فيه أنهم يكسبون الحرب مع ارتفاع عدد القتلى من الجنود الأجانب بشكل قياسي العام الماضي.
وما هي علاقة حكمتيار بما يدور مع طالبان ومحاولة سحبها للبساط السياسي؟
إزاء هذا التضارب في الشروط بين الاحتلال الأمريكي وحركة طالبان يبرز دور بعض الحركات المسلحة الأخرى التي قد يعنيها قطف الثمار, حيث تتوافق مع الشروط والمطالب الأمريكية, وفي مقدمتها الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار.
حيث أعلن حكمتيار في شريط مسجل بثته محطة تلفزيونية أفغانية عن قطع العلاقات بين تنظيمه وكل من القاعدة وطالبان، داعيا إلى خلق أجواء سياسية إيجابية في بلاده بغية تمكين المجوعات المسلحة من الدخول في مفاوضات مع الحكومة الأفغانية في كابل.
وجاء في الشريط الذي بثت محطة "طلوع"الأفغانية مقاطعا منه مطالبة حكمتيار أن تكون الحكومة الأفغانية الطرف الوحيد الذي يتفاوض مع المجموعات المسلحة, وعبر عن استعداده للتفاوض مع حكومة الرئيس كرزاي، مشيرا إلى أن الخروج من الأزمة الراهنة مفتاحه تنظيم "انتخابات حرة", وبخصوص العلاقة بين حزبه وتنظيم القاعدة وحركة طالبان أعلن حكمتيار لأول مرة إقدامه على قطعها.
ويبدو هنا أن حكمتيار توافق هنا مع ثلاثة من أهم الشروط الأمريكية, وهي قطع العلاقات مع تنظيم القاعدة (وأضاف متطوعا حركة طالبان), والقبول بالانتخابات, وهو ما يعنى قبوله ضمنا بقواعد اللعب السياسي على أسس ديموقراطية غربية, وثالثها أنه يمكنه التعاون مع حكومة كرزاي نفسها, وهو ما يوحي بإمكانية التعاون معها فيما بعد انسحاب قوات الاحتلال من أفغانستان.
إذا كان هذا موقف حكمتيار, فهل تقبل به الولايات المتحدة؟
لاشك أن ذلك مرجح, لأنه, وفق التصور الأمريكي, قد يضمن تحقيق أمرين اثنين:
الأول:تفريغ المساحة الداعمة لحركة طالبان والمعارضة للاحتلال, بجذب هذه الحركات إلى جانب الحكومة ودمجها في الإطار السياسي, وإعطاء انطباع بان العملية السياسية أصبحت أكثر جدية, وأنها استوعبت "المتمردين", وهو ما قد يشكل نوعا من الضغط السياسي على طالبان, ويعطى مساحة مناسبة للاحتلال للتمهيد للانسحاب.
الثاني:تعدد الجبهات العسكرية التي تواجه طالبان, لان هذه الحركات المسلحة ستكون بجانب الحكومة, وهو ما يعنى أنها ستتدخل عسكريا لمواجهة عناصر طالبان المسلحة, كما أنها ستدخل دائرة الاستهداف من قبل الحركة, وما يخفف العبء العسكري على قوات الاحتلال.
وهل يقلص ذلك الالتقاء والتوافق من فرصه طالبان في العودة لإدارة أفغانستان؟
طالبان, من المرجح أنها ستمضي في طريقها غير مبالية بالعملية السياسية ما لم تتم وفق شروطها, معتمدة على قدراتها العسكرية, ونفسها الطويل في المواجهات, على اعتبار أن كل القوى الأخرى هي هامشية سواء انضمت للحكومة أو اتصلت بها, أن سقوط كابول مجرد وقت فقط.
ولكن مع ذلك فإن وجود حركات مسلحة, كان لها باع في عملية المقاومة على مدى تاريخ البلاد, بدء من مواجهة قوات الاتحاد السوفيتي في ثمانينات القرن الماضي, وحتى الغزو الأمريكي في 2001, في العملية السياسية, يخشى منه أن يكون خطفا مبكرا لثمرات مشروع المقاومة الذي تقوم به طالبان, وهو ما يحتاج منها حصافة سياسية تتوازي وقدراتها القتالية, إذا ما أرادت أن تحافظ على مشروعها.