إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاحد 20-ربيع الأول-1433

المسيحية السياسية
السبت 13 فبراير 2010
عــصــام زيــدان
Essam_zedan30@hotmail.com
اختلف حال الكنيسة الأرثوذكسية في مصر اختلافا جذريا بعدما تولى شنودة الثالث منصبه كرأس للكنيسة في بداية السبعينيات من القرن الماضي خلفا للباب كيرلس, حيث خط شنودة للأقباط خطا مغايرا لكل من سبقه, وقاد الكنيسة إلى ما يمكن أن نسميه "المسيحية السياسية".
فكانت الكنيسة, وحتى قبيل تولى شنودة منصبه تكتفي بدورها الكهنوتي الديني, ولم يكن يعرف لها بعدا سياسيا أو طائفيا كالذي نراه حادثا الآن وبقوة في المجتمع المصري, ومع ذلك كان للأقباط وجودهم في مؤسسات الدولة الرسمية, كما كان لهم وجودهم في المجالس المنتخبة باعتبارهم من رعايا الدولة وليس الكنيسة التي لم تشأ ولم يكن يسمح لها بالتدخل في الشأن السياسي.
وحينما تولى شنودة سدة البابوية راح يتخذ من الأدوات والآليات التي تسمح بتمدد نفوذ الكنيسة من الرهبنة والنشاط الديني إلى المعترك والمسرح السياسي, معتقدا أن هذا التمدد يمكن أن يحقق للأقباط امتيازات ومكاسب ضخمة, على كافة الأصعدة وفي مقدمتها السياسية بطبيعة الحال.
ومن هنا تقمص شنودة دور الزعيم السياسي وانتقل بمهمات رأس الكنيسة من مجرد الإشراف والتوجيه الديني إلى ما يشبه ويقترب إلى حد بعيد من الزعيم والممثل الرسمي لأبناء طائفته, الذي يقوم بتحديد الخيارات السياسية لهم ويتفاوض مع النظام نيابة عنهم, مستلهما دور الزعيم الهندي غاندي في مواجهة الاستعمار الإنجليزي لبلاده.
وقد حجم هذا الدور الكنسي الذي مارسه شنودة إلى حد كبير من الدور المستقل للساسة الأقباط في الحياة السياسية المصرية, حيث توقف دورهم على مجرد الخضوع للأوامر الكنسية, في مظهر يدل دلالة واضحة على التحول ناحية المسيحية السياسية, في حين أنهم كانوا من قبل يمارسون دورا سياسيا مؤثرا بعيدا عن سلطان الكنيسة, ولذلك تقبلهم المجتمع المصري بهذا الوصف, على اعتبار أنهم رجال سياسية لا خدم في سلك الرهبنة يسعون فقط وراء امتيازات طائفية.
وكان من الطبيعي, ونظرا لغياب الزعامات المدنية في الوسط القبطي، وسيطرة الكنيسة على مجمل حياة الأفراد أن تخندق الأقباط في الكنيسة في مواجهة الدولة، وأصبحوا رعايا الكنيسة لا رعايا الدولة, وقد ظهر ذلك جليا في عدد من المواقف والأحداث, منها على سبيل المثال, لجوء الأقباط إلى الكنيسة في حادثة المختطفة 'وفاء قسطنطين' عندما ذهبت الحشود مجتمعة إلى كاتدرائية العباسية للبحث عن حل, فيما لم يتوجّه أحد حتى على مستوى قيادات الكنيسة إلى الدولة.
فهذه الحالة وغيرها أظهرت بوضوح تسييس الكنيسة, وأن الأقباط في عهد شنودة تخلو عن التعامل المباشر مع مؤسسات الدولة واعتبروا الكنيسة دولتهم, وما كان ذلك ليحدث إلا رغبة شنودة وإمرته والذي اتخذ من غضبه واعتكافه وسيلة للتأثير السياسي على قرارات الدولة, للتأكيد على زعامته السياسية. 
فعند كل مشكلة كبرى تقع للأقباط, نجد التظاهرات "المنظمة" أمام الكنائس, ودخول شنودة في صمت وتهديده بالاعتكاف في دير وادي النطرون كنوع من إعلان عدم المسئولية عن النصارى والتهديد بفقد السيطرة عليهم, كما يشعل اعتكافه غضب النصارى على الدولة. 
فحتى الاعتكاف, الذي من المفترض كنسيا أن يتفرغ فيه العبد ويترك أمور الدنيا, حوله شنودة إلى وسيلة سياسية للاحتجاج على الدولة، حيث قام بخمسة اعتكافات لأحداث وظروف مختلفة حتى الآن, ولم ينهي اعتكافه في أية مرة إلا بعد الاستجابة الكاملة لمطالبه.
ولم يتوقف شنودة عند حد التحرش بالدولة سياسيا, حيث زادت وتيرة الاستفزازات والمواجهات الشعبية في عهده بصورة غير مسبوقة, وانتقلت من مجرد مواجهات محدودة بين أفراد إلى مواجهات شعبية بين طائفتين في بلد واحد.
واللافت هنا هو مقدار الاستفزاز لمشاعر المسلمين الذي مارسته الكنيسة الذي لا يمكن وصفه بالعفوي أو غير المقصود, وقد تجلى ذلك على سبيل المثال في حادثة كنيسة محرم بك بالإسكندرية في عام 2005, وإخراج مسرحية تسخر من بعض الشعائر والمقدسات الإسلامية, ومن قبلها كان الإصرار على تسليم 'وفاء قسطنطين' إلى الكنيسة واعتقالها في أحد الأديرة بوادي النطرون، حيث مقر اعتكاف البابا شنودة في عام 2004.
وقد عكس تصريح خطير للأنبا ماكس ميشيل المعروف باسم ماكسيموس الأول 'راعي كنيسة المقطم' هذه الحالة في عهد شنودة بقوله: 'لم تشهد مصر أية أحداث طائفية إلا في عهد البابا شنودة؛ نظرا لتعامله مع هذه الأحداث بشكل تسبب في تأجيج الوضع الطائفي، فكانت سياساته بمثابة الذي يسكب الزيت على النار، فقد كان يحرض الأقباط على الثأر من المسلمين وحمل السلاح، وقد شاهدت إحدى هذه الوقائع بعيني، عندما كنت في الكنيسة وسمعته يطالب مجموعة من المسيحيين برفع راية الاستشهاد وعدم العودة إلى الكنيسة إلا وهم أموات'.(المصري اليوم 2/7/2006)
وفي إطار تسييس الكنيسة الأرثوذكسية, كذلك, لا يخفى الدور الذي لعبه شنودة في دعم وتكوين ما عُرف بمنظمات أقباط المهجر, فعندما تولي شنودة منصب البابوية لم يتجاوز عدد الكنائس القبطية في المهجر سبع كنائس فقط, أما الآن فقد قاربت على مائتي كنيسة منها 80 كنيسة تقريبا في الولايات المتحدة, و50 في أوروبا, وقد اعتبرت هذه المنظمات بمثابة قنطرة التأثير السياسي من الخارج على صانع القرار المصري.
هذه التوجهات السياسة التي ادخلها شنودة وأقحمها على الكنيسة قد تكون حققت للأقباط قدرا من المكاسب الدينية والسياسية المؤقتة, مستغلا الرخاوة السياسية التي تعانيها مؤسسات البلاد, ولكن هذه الحالة اللينة لا يمكن أن تستمر طويلا, ولن يمكن للأقباط أن يستفيدوا في حال تغيرت الأوضاع وتماسك البنيان السياسي, حينها ستتلاشى هذه المكاسب, ولن يخرج الأقباط إلا بخسارة ضخمة بعدما عزلهم شنودة عن المجتمع وجعلهم في قبالة الغالبية العظمى, وسيصعب حينها دمجهم مرة أخرى في نسيج المجتمع, بعدما ظهر انحيازهم للطائفية واستعانتهم واستقوائهم بالخارج على بلدهم.
  
 
 




موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق