إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاحد 20-ربيع الأول-1433

اغتيال المبحوح..والقناع الأوروبي
الاحد 21 فبراير 2010

محمد الغباشي

 

 

مفكرة الاسلام: أوهمتنا دول الاتحاد الأوروبي على مدار سنوات عدة بدعمها للدولة الفلسطينية، وتعاطفها مع المستضعفين من أبناء رام الله وغزة والقدس وبيت لحم ودير ياسين، تشجب بين الحين والآخر ممارسات الدولة العبرية تجاه الشهداء والجرحى الذين لا يزالون يسقطون في كل يوم جديد..

 وما بين الشجبة الأوروبية والأخرى، ينكشف مدى الخبث والتعاون الأوروبي ـ "الإسرائيلي" الذي لا يراعي ضميرًا، فضلاً عن أن يحترم اتفاقًا.

 

النفاق كان العنوان الأبرز لآخر عملية نفذها الموساد في دبي باغتيال قائد كبير من قادة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" هو محمود المبحوح، النفاق بكل ما تحمل اللفظة بين أحرفها من خسة ووضاعة، ولن نكون منصفين حقًّا إن توجهنا باللوم أو كلمات العتاب لمسئولي الموساد الذين كانوا العقل المدبر لعملية الاغتيال، فنحن في حرب وكل شيء فيها مستباح، بل إن العدو الصهيوني عوّدنا طيلة الصراع بيننا وبينه على طباع الخيانة والنفاق وتلَبُّسه ليل نهار بكل ما يتصل بالنذالة والوضاعة ولو من بعيد.

بَيْد أن اللوم ينبغي أن تُقرع به آذان الأوروبيين الذين يبدو تورطهم في مقتل محمود المبحوح، سواء بالتنسيق أو المشاركة الفعلية ـ وهو ما ربما تثبته التحقيقات لاحقًا ـ إلا أن الحد الأدنى من المشاركة حتى الآن قد ثبت بالتنسيق الذي استُعملت فيه جوازات سفر أوروبية ما بين بريطانية وأيرلندية وفرنسية وألمانية، فيما يسمى "باسبورت جيت" أو "فضيحة جوازات السفر"، حينما كشف مصدر بالمخابرات البريطانية عن سوأة جديدة لحكومة بلاده عندما أكد أن الأخيرة كانت على علم مسبق بالعملية التي ستقوم بها "إسرائيل" من تصفيتها لأحد قياديي حماس، وذلك قبل تنفيذ الاتفاقية بساعات ـ حسب شهادته ـ وأن عناصر الموساد الذين سيقومون بالعملية سيستخدمون في سبيل ذلك جوازات سفر بريطانية.

وليس معنى أن العنصر نفسه أو عنصرًا آخر من الموساد لم يكشف عن ضلوع فرنسي أو ألماني أو أيرلندي أو غيره، ليس معنى ذلك أن التنسيق بين دول أوروبية أخرى لم يقع، ولكن دائمًا ما يقال في السياسة: وما خفي كان أعظم. ودائمًا ما تحمل الخبايا أكثر بكثير مما تحمله الوقائع الموثقة؛ فقد تكون بريطانيا أو غيرها من الدول التي ذكرناها آنفًا أو لم نذكرها قامت بتسهيلات أخرى في دخول وخروج أفراد العصابة الذين قتلوا المبحوح، أو أن يكونوا قدموا الدعم بشكل أو بآخر في تقديم معلومات عن مكان وجود قيادي حماس أو ساعة وصوله أو الوقت الذي سيمكثه في دبي أو غير ذلك من المعلومات التي ستساعد في إنجاز المهمة على وجهها الأكمل. بل إن ذلك محتمل أشد الاحتمال، ولو لم يكن عنصر المخابرات هذا قد أسفر عن ذلك الكشف لَكُنَّا توقعناه، فكيف به وقد كشف الحقيقة أو جزءًا منها على أقل تقدير، ليبقى الجزء الكامن منها حبيس أدراج الموساد أو المخابرات الأوروبية الأخرى؟!

إن الدول الأوروبية التي استُخدمت جوازات سفرها في ذلك الحادث المخزي متورطة بشكل ما على الأقل لأنها حتى الآن وبعد مرور أكثر من شهر على تنفيذ العملية ومرور عدة أسابيع عن كشف شرطة دبي عن المعلومات الخاصة بجوازات السفر لم نلمس منها تحركًا دبلومسيًّا ـ ولو حتى بالتنديد والشجب ـ لما قام به الصهاينة من إرهاب واقتحام حدود دولة لها كيانها المستقل وتنفيذ عملية بهذا الشكل البشع إزاء أحد قادة المقاومة الذي كان أعزل عن السلاح وفي غرفة نومه.

لقد أثبتت الدول الأوروبية أن القوم على قلب رجل واحد في مواجهتهم للمقاومة الفلسطينية التي تمثل حركة حماس فصيلاً منها، والتي تراها أوروبا وفقًا لذلك إرهابًا غير مشروع يخالف السياسة الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية، بل إنها تراها معوقًا لعملية (الاستسلام الفلسطيني) التي تماطل "إسرائيل" على مدار ما يزيد عن ستين عامًا في الوصول إلى حل من خلالها برعاية أمريكية أوروبية وتنسيق مع السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس، الذي ثبت تورطه هو الآخر وحكومته في علمية الاغتيال الرخيصة عندما قُبض على فلسطينيين شاركا في تلك الجريمة؛ ليزيد فضيحة جديدة إلى سجل فضائح سلطته العميلة للاحتلال.

فأوروبا التي عبّرت عن صدمتها لهول ما رأى وفدها من دمار في غزة عقب العدوان الأخير.. وأوروبا التي ترفض الاستيطان وتدعو "إسرائيل" إلى وقفه.. وأوروبا التي تدعو إلى قيام دولة فلسطينية.. وأوروبا التي دعت بعض دولها إلى توقيف مجرمي الحرب "الإسرائيليين" بعد عدوان غزة.. هي هي أوروبا التي تحارب المقاومة وتطالب بنزع سلاحها.. هي هي التي تصف حركات المقاومة الفلسطينية بالإرهاب وتصمها بعدم الشرعية.. هي هي التي ترفض الاعتراف بقيام دولة فلسطينية حاليًا بسبب عدم وجود هذه الدولة كما تقول!! هي هي التي رفضت التصديق على قرار القاضي جولدستون الذي أدان فيه إسرائيل وأكد أنها نفذت ممارسات تنتهك حقوق الإنسان في غزة خلال عدوانها الأخير.. هي هي التي تتعهد بين الحين والآخر بالحفاظ على أمن "إسرائيل".. وهي هي التي تمد الدولة العبرية بالسلاح والدعم العسكري واللوجستي لتقتل به الأطفال والنساء والشيوخ.. فأي نفاق بعد هذا؟!

 

هل يمكن أن يلومنا أحد إت قلنا إن الاتحاد الأوروبي هو أحد رموز النفاق السياسي والعسكري في العصر الحديث ؟، بل وفي العصر القديم..

 فالتاريخ الأوربي لا يعرف عن الدول الإسلامية إلا الحروب الصليبية التي ألحق فيها المسلمون الهزيمة المنكرة بالصليبيين وأعادوهم إلى بلادهم يجرون أذيال الخيبة والصغار.. فكلما نظروا إلى المساجد والمآذن والقباب، بل وكلما طالعوا وجوه المسلمين والمنتقبات المسلمات في الغرب ـ أو الشرق ـ تذكّروا نكبتهم، فراودهم حلمهم القديم من جديد باجتياح العالم الإسلامي وتقويض أركانه، أو على أقل تقدير منع المسلمين من الظهور أمام أعينهم بمظهرهم الإسلامي لئلا يتذكروا ما جرى، وما أحداث محن المآذن في سويسرا وحظر النقاب في فرنسا وبلجيكا وغيرهما من الدول الأوروبية منا ببعيد.

 

لم تجد بريطانيا بدًّا في خضم فضيحتها ـ التي أتخيل وجوه مسئوليها وقد علاها الخزي والخيبة والحرج الشديد بعد اعتراف عميلها ـ من أن تنكر بشدة علمها بالعملية، بل وأن تهدد بفسخ اتفاقية تبادل المعلومات الاستخباراتية بينها وبين الكيان الصهيوني لو ثبتت صحة استخدام عملاء الموساد لجوازات سفر بريطانية، حفظًا لماء وجهها الذي تعكر ولم يعد فيه نقطة حياء أو دم بعد هذه الفضائح المتتالية والتناقضات الواضحة في التعاطي مع القضية الفلسطينية أو أية قضية أخرى تتعلق بالمسلمين هنا أو هناك. وعلى الرغم من هذا التهديد إلا أن المراقبين والمحللين السياسيين الغربيين قبل العرب أكدوا أن من المستبعد أن تصعِّد لندن من لهجتها العدائية تجاه الدولة التي تدعمها أكثر من ذلك، أو أن تأخذ موقفًا حقيقيًا من هذا التصرف الذي تم برعايتها.

ومما زاد الطين بلة ووضع الحكومة البريطانية ـ وبقية الحكومات التي أُعلن عن ضلوعها في العملية ـ في موقف لا تُحسد عليه إطلاقًا؛ ما أعلنته شرطة دبي في بيان رسمي نًُشر على موقعها على شبكة الإنترنت أن جوازات السفر التي استخدمها الجناة في عملية اغتيال المبحوح غير مزورة، بل إنها صادرة بأختام رسمية سليمة مائة بالمائة، الأمر الذي أكد الخلفية التآمرية للدول الأوروبية التي استُخدمت جوازاتها، وربما غيرها معها، ورسخّت من جديد لدى المراقبين أن الحكومة البريطانية لن تفعل شيئًا إزاء هذه الفضيحة، وأنها تتظاهر بالغضب من إساءة استغلال جوازات السفر البريطانية من قِبَل فرقة الاغتيالات التابعة للموساد فقط لأجل الحفاظ على بعض مصداقيتها التي ذهبت أدراج الرياح كلما نُشرت فضيحة من فضائحها السياسية واحدة تلو الأخرى.

وأخــيرًا..

علينا أن نعي الدرس الذي أُهدي إلينا، فالرجل الأبيض لن يكون حريصًا يومًا على أن يوصل إلينا حقوقنا المسلوبة، مديرًا ظهره لحليفته وأخته الصغرى التي يرعاها ويرضعها من خيرات بلادنا، بل على العكس من ذلك، كلما وجد فينا رضوخًا وإذعانًا زاد تمرده وجبروته وطغيانه، فلا نتوقع منه بادرة إيجابية مادام ذلك الصمت مخيمًا علينا، فأين كانت أصواتنا وأصوات حكوماتنا طوال شهر كامل منذ تنفيذ عملية الاغتيال التي وقعت في بلد عربي وحتى الآن؟! بل أين كانت أصواتنا منذ أن احتلت فلسطين منذ ستين عامًا؟! أما الجهود المشكورة للشرطة الإماراتية وسعيها الدؤوب في معرفة الجناة فإنها نتيجة مباشرة وطبيعية للصفعة التي تلقتها بوقوع هذه الجريمة على أرضها، بل وفي دبي العاصمة الاقتصادية للدولة وأكبر المدن وأغناها وأرقاها..

 





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق