
شريف عبد العزيز
مفكرة الاسلام: لم يبق سوي أيام معدودات وينطلق السباق الانتخابي بالعراق المحتل، وهي ثاني انتخابات تقام في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق، وكانت الأولي سنة 2005 ميلادية واكتسحتها التيارات الشيعية في ظل مقاطعة شبه كاملة من أهل السنة بالعراق، ولكن الوضع يختلف هذه المرة، إذ أن التفرق والتشرذم هو شعار وعنوان التحالفات السياسية السابقة بعد سنوات من التجربة الانتخابية أفرزت أوضاعاً واستحقاقات جديدة عمقت من محنة العراق وساهمت في تدهور أحواله .
انتخابات 2005 واستحقاقاتها
انتخابات 2005 شهدت مقاطعة شبه كاملة من أهل السنة الذين رأوا عدم جدوى مثل هذه الممارسات في ظل الاحتلال الأمريكي للبلاد، وأنه من الخيانة للدين والأمة الاشتراك في حكومة احتلال تكون أداة قمع و إرهاب الشعب العراقي وشعوب المنطقة و دول الجوار، وكان لهيئة علماء المسلمين دور حاسم في إقناع كثير من أهل السنة بمقاطعة العملية الانتخابية، وكان لدي أهل السنة قناعة خاصة بأن أمثال هذه الحكومات لن يطول عمرها، وسيلفظها المحيط الداخلي والإقليمي، وأن الانتخابات التي تعقد تحت رايات الاحتلال لن تفرز حكومات وطنية تعمل لصالح البلاد بقدر ما تخدم مصالح الاحتلال وتكرس وجوده في ظل غياب نية واضحة للانسحاب في الأجل القريب .
جاءت انتخابات 2005 في ظل مناخ سياسي محتقن وأوضاع أمنية متدهورة للغاية، وصراع طائفي شديد، نفخ في أوره فرق الموت الشيعية المدعومة من إيران والتي كانت تجوب الشوارع والمدن العراقية باحثة عن فرائسها من أهل السنة، مما أدي لشيوع حالة من القناعة لدي الأحزاب والجماعات الشيعية أن أهل السنة مجرد رقم في اللعبة السياسية سيسهل إلغاؤه وتجاوزه بانتخابات تم تحييد أهل السنة عنها أما قسراً أو اختياراً في ظل دعم أمريكي كبير وواضح للشيعة داخل العراق .
السنة بالعراق لم تتعرض لمثل هذا الموقف السياسي المأساوي طوال تاريخهم ، إذ كانوا دائما حاضرين وفاعلين في كافة الدوائر السياسية ومؤسسات السلطة حتى جاء الاحتلال وقرر أن يضع يده في يد الشيعة ويتحالف معهم ضد السنة باعتبارهم العدو الأول للسياسات الأمريكية ليس في العراق وحده بل في كل مكان بالعالم، وبالتالي انسحبت 47 هيئة وجماعة سنية من الانتخابات بعد أن أيقنت أن العملية الانتخابية برمتها ستكون في خدمة الجانب الشيعي أما بالتخويف وأما بالتزوير وأما بشراء الذمم و الضمائر، وما أسهل شراؤها ببلد مثل العراق في ظل الاحتلال .
وفي المقابل كان الشيعة يعتبرون الانتخابات فرصة لا تعوض للوثوب علي كرسي السلطة بالعراق بعد أن ظلوا مئات السنين يشعرون بالحرمان والمظلومية، ومن شدة تسارع الشيعة لعقد مثل هذه الانتخابات أفتي المرجع الشيعي الأكبر لشيعة العرق السيستاني الإيراني بوجوب الانتخاب وتحريم المقاطعة، بل وصف مقاطع العملية الانتخابية بأنه سيحترق في نار جهنم، هذا علي الرغم من ضبابية المشهد السياسي وعبثيته الشديدة واضطراب حبل الأمن بالبلاد لأقصي درجاته، ولكنها كانت فرصة لا تعوض علي وصف السيستاني الإيراني . أضف إلي ذلك أن النظام الانتخابي المعمول به وقتها اعتمد نظام القائمة الانتخابية، وذلك تكريساً لمفهوم الطائفية والإقصاء المتعمد للسنة من الساحة السياسية العراقية .
بالجملة جاءت انتخابات 2005 في جو طائفي قاتم وشحن ديني ظاهر، ودعم أمريكي كبير للشيعة، وفوضي داخلية عارمة طالت كل مفاصل الحياة العراقية، وضبابية في مستقبل الوجود الأمريكي بالبلاد، في حين غابت المصالح القومية والروح الوطنية والأمل في الاستقلال والرغبة في استعادة المكانة الحضارية لبلد الخلافة سابقاً، وقبل كل هؤلاء غاب أهل السنة عن المشهد السياسي العراقي وتم تهميشهم تماماً ، وفاز الائتلاف الشيعي الحر بزعامة نوري المالكي وهو الائتلاف الذي ضم معظم التيارات الشيعية الموجودة بالساحة العراقية وأبرزها تيار عبد العزيز الحكيم، وتبوء الساسة والقادة وحتى الملالي الشيعة المناصب والمراكز السيادية والحساسة في العراق .
سنوات أربع مرت علي استحقاقات انتخابات 2005 وتداعياتها بكل ما فيها من آثار علي كافة طوائف الشعب العراقي، وقد وعى أهل السنة الدرس جيداً وعرفوا عاقبة ترك الساحة خالية للتيارات الشيعية التي تعمل وفق أجندة طائفية إيرانية الصنع، فأخذت بوادر المشاركة السنية الواسعة تظهر شيئاً فشيئاً علي المشهد السياسي العراقي، خاصة بعد فوز أوباما بالرياسة الأمريكية، وذهاب الفريق المتشدد بقيادة بوش والذي كان لا ينوي الانسحاب مطلقاً من العراق، ففي الأقاليم ذات الكثافة السنية العالية أظهرت نتائج الاستطلاعات أن الإقبال علي الانتخابات سيكون في أعلي معدلاته عن مثيلاتها ذات الكثافة الشيعية ، بعد الإعلان عن خطة الانسحاب الأمريكي من العرق سنة 2011، في ظل رغبة كبيرة لدي السنة في استعادة ما فقدوه نتيجة غيابهم عن انتخابات 2005 .
الانشقاقات شعار المرحلة
المشهد السياسي العراقي في انتخابات 2005 كان طائفياً بالدرجة الأولي، وحدث التفاف شيعي لجني ثمار الفرصة السانحة، وهو ما حدث بالفعل، ولكن هذه الكرة فإن الانشقاق والتفكك والتشرذم هو السمة الغالبة علي العملية السياسية، هذا الانشقاق طال جميع أطياف العمل السياسي العراقي كالآتي :
التيارات الشيعية
التي نالت الجزء الأكبر من الكعكة الانتخابية في المرة الفائتة، وذلك بفضل تماسكها ودعم أمريكا وإيران لها، تعاني هذه المرة من انشقاقات خطيرة، إذ انشق نوري المالكي بتيار مستقل أسماه ائتلاف دولة القانون ويضم معه بعض الطوائف الأخرى من العرب السنة والأكراد السنة، وقد رفض المالكي البقاء في الائتلاف العراقي الموحد ــ تيار الحكيم وسائر التيارات الشيعية المتشددة ــ وذلك بعد أن حقق نجاحاً ملحوظاً في الانتخابات البلدية سنة 2009، و نجح في تقليم أظافر التيار الصدري في البصرة وبغداد، بعد أن حل جيش المهدي وصادر سلاحه، ليظهر بعدها بصورة رجل العراق القوي القادر علي محاربة الطائفية ــ رغم طائفيته المقيتة والمعروفة ــ ولكنه كان الرجل المفضل لأمريكا بالمقارنة بالفريق الآخر شديد الموالاة لإيران، في المقابل كان تيار الحكيم هو الأقرب للناخب الشيعي العراقي الواقع تحت تأثير مرجعياته وملاليه الذين يفضلون تيار الحكيم المتشدد علي تيار المالكي الأقل تشدداً، أضف إلي هذين التيارين تيار إياد علاوي رئيس الوزراء السابق وهو شيعي علماني شكل تحالفاً علمانياً ضم بعض العرب السنة مثل المطلق والديلمي .
هذا التشتت الشيعي حتماً سيوثر علي صوت الناخب الشيعي الذي كان يصوت من قبل لائتلاف شيعي موحد، فوجد نفسه هذه المرة أمام ثلاث تيارات مختلفة تعادي بعضها بعضاً وتتراشق سياسياً بشتى الاتهامات، كما أن حظوظ المالكي ليست كبيرة كما يظن البعض لأن الفساد ضارب بجرانه في حكومته، والفضائح المالية لها أصبحت مادة يومية لوسائل الإعلام المحلية والعالمية، في حين يعاني تيار الحكيم من حداثة سن قائده الجديد عمار الحكيم الذي يفتقد لخبرة وحنكة أبيه الراحل عبد العزيز الحكيم، ورغم دعم السيستاني الإيراني لهذا التيار إلا أن مجاهرته بالطائفية والعداوة لأهل السنة وإصراره علي الخضوع التام لإيران جعل نجاحه محل شك كبير هذه المرة، وبالجملة الناخب الشيعي أصبح في حيرة من أمره قد تدفعه في النهاية للعزوف عن التصويت، وعندها لن تحركه مئات الفتاوى من السيستاني وغيره من أجل إقناعه بالذهاب لصناديق الانتخاب، وحتى لو اقتنع وذهب للانتخاب سيكون صوته إضعافاً للوجود السياسي للشيعة بالتفرق إلي عدة كيانات صغيرة .
التيارات الكردية
وهي تعاني من نفس ما تعاني منه التيارات الشيعية،/ عكس ما يظن البعض، فالتحالف الكردستاني السابق قد انشق علي نفسه، بعد أن انشق نيشروان مصطفي أحد القادة التاريخيين للأكراد عن الاتحاد الوطنى الكردستاني بزعامة طالباني، وشكل ائتلافاً أسماه جبهة التغيير تمكن من حصد 40% من مقاعد برلمان كردستان العراق علي الرغم من حداثة عهدها بالانتخابات .
السنة وشبح صدام
لاشك أن هذه الانشقاقات المتتابعة في المعسكر الشيعي والكردي ستؤثر بالإيجاب علي موقف السنة من الانتخابات، إذ بدت فرص السنة أكبر هذه المرة في ظل تصارع الغرماء الشيعة علي مقاعد البرلمان وتشكيل الحكومة، خاصة وأن الناخب العراقي قد اعتاد لعشرات السنين علي القيادة السنية للعراق، في حين أن تجربة الشيعة في القيادة حملت الكثير من المآسي والمحن للبلاد، وثبت بالدليل القاطع أن الإدارة الشيعية إدارة فاشلة لتمسكها بالطائفية والانحياز للمشروع الإيراني بالعراق، وبالتالي أصبحت فرص السنة أكبر هذه المرة من الطوائف الشيعية .
وقد أيقن الساسة الشيعية وإيران من قبلهم هذه المتغيرات في الشارع العراقي، فبدءوا في التفكير في كيفية وقف هذا النمو المطرد للمشروع السني العراقي، وهنا كان دور هيئة اجتثاث البعث التي قامت باستحضار شبح صدام من الذاكرة العراقية، وباسم هذا الشبح تم استبعاد مئات المرشحين السنة، في عملية تصفية انتخابية أشبه بمحاكم التفتيش، لتفريغ الكيان السني من قياداته وكوادره، وقد أدي هذا القرار لإثارة حفيظة العديد من التيارات السياسية حتى الشيعية منها، كما علق موفق الربيعي علي ذلك بقوله : أن القضية الوحيدة التي تجمع التيارات المختلفة هي الرغبة في تغيير المالكي .
فرص السنة في انتخابات 2010
الظروف الانتخابية تبدو مواتية لصالح تحقيق تقدم سياسي لصالح السنة، في ظل انشقاق التيار الشيعي والكردستاني وانفصام عري التحالف بينهما، ولكن هذا التقدم لن يتحقق إلا إذا كان للسنة مشروع سياسي موحد يلتفون حوله، ويواجهون العقبات الكثيرة التي تعوق عودتهم لمكانتهم الطبيعية في قيادة البلاد، فالسنة بالعراق الآن ليسوا علي قلب رجل واحد، فخريطة الوجود السني موزعة إلي ثلاث تيارات :
1ـ التيار العلماني المتحالف مع تيار علاوي الشيعي العلماني، ويضم المطلق والديلمي
2ـ التيار الإسلامي ــ أو هكذا يدعي ــ بقيادة الهاشمي والسامرائي والمشهداني ومعهم بعض زعماء العشائر وقادة الصحوات، ويحظي بثقة كثير من السنة .
3ـ تيار المقاومة ومعه هيئة علماء المسلمين، وهو التيار الرافض للعملية الانتخابية في ظل الاحتلال، والذي اتخذ من المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي وحلفائه خياراً استراتيجياً وحيداً، ولكن في الوقت نفسه لن تقدم علي إفساد العملية الانتخابية حفاظاً علي الدم العراقي، مما فوت الفرصة علي فرق الموت الموالية لإيران والتي كانت تخطط لبث الرعب والتفجيرات بالمقار الانتخابية وإلقاء اللوم علي المقاومة .
ومن خلال هذا العرض السريع لأوضاع السنة في مستجدات العملية الانتخابية،يتضح لنا أن وضع أهل السنة هذه المرة أفضل من المرة السابقة، وأن اشتراكهم في الانتخابات لن يخلو من فوائد كثيرة علي الرغم من المحاولات الشيعية المحمومة لإبعادهم وتهمشيهم من الحياة السياسية بالبلاد، ولكن هذا التقدم سيكون رهين توحيد القوي السياسية ووجود مشروع واضح ومتكامل يتعاطى مع الداخل العراقي الملتهب ويتفاعل مع الأطراف الخارجية المحيطة والفاعلة داخل العراق .
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"