مصطفى شفيق علام
shafeqallam@yahoo.com
إذا كان من الممكن أن نصف التورط الأمريكي في العراق بأنه حرب بوش الخاسرة، فإنه يمكننا أيضًا وبنفس المنطق أن نعتبر التورط الأمريكي المتزايد في أفغانستان، دونما تضخيم أومبالغة، بأنه حرب أوباما التي تلوح نذر خسارتها في الأفق. وربما يؤكد لنا هذه النظرة ما حملته لنا الأنباء من قيام الرئيس الأمريكي باراك أوباما بزيارة تاريخية ومفاجئة إلى كابول يوم الأحد 28 مارس 2010، الأمر الذي يثير التساؤلات بشأن الأهداف والدلالات الزمانية والمكانية التي تستبطنها هذه الزيارة؟ وهل ثمة تحول في النهج الأمريكي إزاء أفغانستان؟ أم إن الأمر لا يعدو كونه استمرارًا للاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي بشر بها أوباما منذ بلوغه سدة الحكم في البيت الأبيض بداية العام الفائت؟
خيارات واشنطن وترجيحات أوباما
فمع أفول حقبة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن نهاية العام 2008، وبداية حقبة التغيير التي بشر بها سلفه الرئيس باراك أوباما منذ بدء حملته الانتخابية وحتى وصوله رسميًا إلى البيت الأبيض مطلع العام 2009، بدأت التوجهات الاستراتيجية لواشنطن تميل باتجاه تغليب الملف الأفغاني على الملف العراقي الذي كان الملف الأبرز والأكثر أهمية طوال فترتي رئاسة بوش. فقد بدأ الرئيس أوباما منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض في إحداث تحولات لافتة في السياسة الخارجية الأمريكية لاسيما في شقها العسكري، والتي كانت تركز بالأساس على العراق لصالح التركيز بشكل أكثر على أفغانستان وباكستان حيث ينشط تنظيم القاعدة، وحركة طالبان بنسختيها الأفغانية والباكستانية.
وفي هذا الإطار تنامى الجدل بين الأوساط المعنية، السياسية والعسكرية، في واشنطن حول ماهية الاستراتيجية المثلى التي ينبغي على إدارة الرئيس أوباما أن تتبناها للتعاطي مع الملف الأفغاني المهم والشائك في ذات الوقت، وقد أسفر هذا الجدل عن بروز اتجاهين متباينين بهذا الصدد:
أولهما؛ وهو اتجاه المدرسة التدخلية التعددية بالشراكة Progressive Multilateral، أو الليبرالية المثالية، ويدعو لسحب القوات الأمريكية من أفغانستان وترك إدارة شئونه لأهله مع ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية ما تضم المعتدلين من حركة طالبان وتضمن لواشنطن عدم استخدام الأراضي الأفغانية مجددًا كنقطة انطلاق لشن اعتداءات من أي نوع على الولايات المتحدة وحلفائها في المستقبل.
أما الثاني؛ وهو اتجاهالمدرسة التدخلية الجازمةAssertive Interventional فإنه على العكس من الأول، يدعو لضرورة استمرار القوات الأمريكية في أفغانستان بل وزيادة عددها بالنظر إلى محورية الأراضي الأفغانية جيواستراتيجيًا واشتباكها مع ملفات ذات أهمية أمنية واستراتيجية وجيوبولتيكية ضرورية لواشنطن كالحرب على الإرهاب، والصراع على موارد الطاقة الأحفورية في منطقة آسيا الوسطى، ومستجدات وتطورات الملف النووي الإيراني، وإضافة إلى مواجهة الصعود المتنامي الصيني ـ الروسي في العلاقات الدولية، وكذلك مراقبة الأوضاع المتفجرة في باكستان "النووية" عن كثب.
ويبدو أن الاتجاه الثاني كان هو الأكثر قبولاً لأوباما، مع إدخاله لبعض التعديلات على هذا الاتجاهوالتي تتوافق ومقتضيات المرحلة الراهنة، ومن ثم فقد أكد أوباما على أن الملف الأفغاني له الأولوية على أجندة الأمن القومي الأمريكي مشددًا على أن الحرب الدائرة في أفغانستان هي "حرب ضرورية" وأنها تهدف بالأساس إلى الحيلولة دون تكرار القاعدة مهاجمتها لمصالح وأراضي وحلفاء أمريكا، معتبرًا أن ذلك الأمر يمثل عنده أهمية مطلقة.
أهداف ودلالات الزيارة
وفي هذا السياق جاءت زيارة أوباما المفاجئة لكابول، لتفعيل هذا الاتجاه وإعطائه مزيدًا من الزخم، ربما إزاء توجهات أخرى كانت قد سادت بين أروقة الإدارة الأمريكية بشأن إمكانية الحديث عن بدء مفاوضات مع حركة طالبان لإحلال السلام في هذا البلد الذي أنهكته الحرب.وكانت الإدارة الأمريكية، وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، قد بدأت تدرس ما إذا كان الجيش قد حقق النصر بما يكفي لتبرير الجهود الرامية لفتح حوار مع حركة طالبان في أفغانستان، في ظل تدفق الجنود الأمريكيين نحو معاقل الحركة وقتل العديد من قادتهم بالطائرات من دون طيار مثلما حدث في معارك مرجه الأخيرة.
بيد أن وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس أجاب على هذه التساؤلات المفرطة في التفاؤل بالنفي، مؤكدًا أن الضغط العسكري على حركة طالبان لم يضعفها بعد، وأن وقت المصالحة معها لم يحن، لأن مسألة إلقائها السلاح يعد بعيد المنال حتى الآن[1]. كما حذر رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الأميرال مايك مولن-في شهادة مماثلة أمام الكونغرس يوم 24 مارس- من الإفراط في التفاؤل الذي أوجده حديث متزايد عن مصالحة في أفغانستان[2].
وإزاء هذه التصريحات الصادرة عن أركان القيادة العسكرية لواشنطن كان على أوباما أن يتخذ قراره المفاجئ بزيارة أفغانستان لتحقيق عدة أهداف:
أولها؛ التأكيد على رفض توجه حكومة كارزاي نحو المصالحة الآنية مع طالبان حيث يرى أوباما ضرورة الضغط العسكري المكثف على الحركة حتى تقبل بأقل الشروط قبل البدء في الحديث عن أي مصالحة[3].
وثانيها؛ معاينة الأوضاع على الأرض بشكل مباشر، وفقًا لتصريحات مسؤولين في الإدارة الأمريكية، حيث أكد المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت جيبس إن الرئيس أوباما يريد الاطلاع من الجنرال ستانلي ماكريستال قائد القوات الأمريكية وقوات حلف الأطلسي في أفغانستان على تطورات الأوضاع الميدانية هناك[4]، حتى يتمكن من اتخاذ القرار المناسب بشأن المعضلة الأفغانية.
وثالثها؛ رفع الروح المعنوية لجنوده في أفغانستان بعد سلسلة من الخسائر التي تكبدتها القوات الأمريكية هناك حيث شهد الربع الأول من العام الجاري تضاعفًا في خسائر الأمريكيين والبريطانيين بأفغانستان مقارنة بالتي تكبدتها في الفترة نفسها من العام الماضي، في الوقت الذي حذر فيه مسؤولون أمريكيون من ارتفاع كبير في الخسائر مع نشر قوات إضافية قوامها 30 ألف جندي وقرب شن عملية واسعة في ولاية قندهار جنوبي أفغانستان[5].
ورابعها؛ استغلال قوة الدفع التي حققتها الانتصارات الداخلية لسياسات أوباما والمتمثلة في موافقة الكونجرس على مشروع قانون جديد لإصلاح الرعاية الصحية في البلاد، إضافة إلى موافقته على معاهدة جديدة لخفض التسلح النووي بين واشنطن موسكو، وفي هذا السياق جاءت هذه الزيارة في هذا التوقيت ليقول الرئيس الأمريكي بلسان حاله إنه يستطيع التعامل مع أكثر من قضية كبيرة في آن واحد على المستويين الداخلي والخارجي[6].
وخامسها؛ حث الرئيس الأفغاني حامد كارزاي على بذل الجهد اللازم لمكافحة الفساد ومحاربة زراعة المخدرات، والعمل على اتباع مبادئ الحكم الرشيد لجذب شرائح واسعة من الشعب الأفغاني باتجاه دعم الحكومة وتقليل تعاطفهم التقليدي مع مقاتلي طالبان الأكثر نزاهة والأنظف يدًا طوال فترة حكمهم للبلاد. حتى إذا ما قررت واشنطن في وقت ما الانسحاب من أفغانستان كانت على ثقة من عدم عودة طالبان لتصدر المشهد الأفغاني من جديد.
وهكذا حملت الزيارة التي لم تستغرق بأوباما أكثر من خمس ساعات خمسة أهداف مستبطنة يمكن قراءتها في ضوء السرية والكتمان والإجراءات الأمنية المعقدة التي أحاطت بتلك الزيارة للحد الذي جعل الرئيس الأفغاني ذاته لم يعلم بحلول الضيف الأمريكي على أرضه إلا قبل ساعة واحدة من قدومه، الأمر الذي يعطي دلالة خفية على حجم المأزق الأمني الذي تعانيه واشنطن وحلفاؤها في هذا البلد الذي طالما وصف على مدار التاريخ بأنه مقبرة الغزاة.
[1]الجزيرة نت، 25/3/2010.
[3] المحلل الأفغاني ولي الله شاهين، الجزيرة. نت، 28/3/2010.
[5]الجزيرة. نت، 28/3/2010.
[6]ستيف كينجستون، بي بي سي، 29/3/2010.