الجمعة 13 من رجب1428هـ 27-7-2007م الساعة 10:10 ص مكة المكرمة 07:10 ص جرينتش
RSS

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا

Bookmark and Share
القارة المرتعشة!!

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا

القارة المرتعشة!!

عصام زيدان

مفكرة الإسلام: اعتبر جيورج جاينزفاين السكرتير الخاص للبابا، في مقابلة مع مجلة "زودويتشه تسايتونج" الألمانية، أنه يتعين على أوروبا ألا تتجاهل المساعي الرامية إلى إدخال القيم الإسلامية في الغرب، وهو ما يمكن أن يهدد حتى هوية القارة, مشددًا على ضرورة عدم تجاهل الجذور المسيحية لأوروبا.

هذا التصريح الصادر من الفاتيكان، موطن الكاثوليكية في العالم، ليس غريبًا عن الكنيسة ولا عن قادة أوروبا على وجه الخصوص والغرب على العموم على اختلاف توجهاتهم الدينية والسياسية على حد سواء.

فقد اجتمعت الرؤية الدينية الكنسية مع التخوفات السياسية المطردة من خطر المارد الإسلامي الذي يهدد هوية أوروبا في معقلها, ويزعزع من قيمها المتهاوية في الأساس, وحضارتها الآخذة في الأفول.

ونمو النزعة المسيحية الأوروبية، في حقيقته, ليس وليد اليوم, فقد سبق وطرحه بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني، عندما صرح في إحدى مواعظه بأن "أوروبا بدأت تعي وحدتها الروحية، وتستند إلى القيم المسيحية.

«وظهر ذاك الطرح مرة أخرى مع تولى بندكتس السادس عشر منصب البابوية؛ حيث يولي موضوع "الجذور المسيحية لأوروبا" اهتمامًا خاصًا في أجندته؛ ففي محاضرة ألقاها أثناء لقائه في الفاتيكان بمجموعة من الكهنة الأرثوذكس اليونان صرح بندكتس بقوله: "علينا أن نواجه التحديات التي تهدد الإيمان، وننشر السماد الروحاني الذي غذى لقرون أوروبا؛ بإعادة التأكيد على القيم المسيحية».

وسبق وأن صرح أسقف مدينة كولونيا الألمانية يواكيم ميسنر في مقابلة إذاعية إن "هجرة المسلمين خلقت شرخًا في ثقافتنا الألمانية والأوروبية».

وصدر ذلك الطرح سياسيًا أيضًا من قِبل قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ في ألمانيا؛ حيث أكدت أنجيلا ميركيل على أن أولوية سياسته الحكومية الخارجية ستركز على العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتحديد هوية وماهية الاتحاد الأوروبي التي تقوم على الجذور والإرث المسيحي لأوروبا.

فثمة حاجة أوروبية ملحة إنقاذا لهويتها من الضياع والتآكل لإبراز عدو مشترك تتجمع في مجابهته وتلتقي عند عداوته الإرادات الحكومية والشعبية, وذلك بعد تردى المارد الشيوعي وزوال خطره.

والنزعة المسيحية وحدها في حقيقة الأمر لا يمكنها أن تشكل إطارا للهوية الأوروبية, خاصة بعد انفضاض الرجل الأوروبي إلى حياته المدنية موليا ظهره للكنيسة ورجالها, ومن هنا برز الإسلام, أو اتخذ بمعنى أدق, كعدو, وهو ما اصطلح على تسميته بظاهرة (الاسلامفوبيا), ليستنفر به الرجل الأبيض ويحافظ على ما تبقى من هوية فقدت كثيرا من معالمها.

المدهش في الأمر أن العالم العربي والإسلامي يعيش في مرحلة تاريخية قاسية فقد فيها موطن الريادة, وانتشرت بين أوصاله نفخة "الوهن", ورغم ما تمتلكه أوروبا والغرب عمومًا من قوة عسكرية باطشة واقتصاد مزدهر وحضارة يتغنون بها ليل نهار إلا أن الرعشة من الإسلام ما زالت تتملكهم.

إن الرعشة التي تتملك رجال الدين والسياسية في أوروبا, برغم الضعف الظاهر لبلاد العرب والمسلمين في ذاتها اعتراف صريح بقوة هذا الدين وحيويته وقدرته الذاتية على إزاحة تلك الهويات الأرضية الزائفة لياخذ مكانه في  قلب أوروبا.

فالدول الأوروبية على اختلافها تشكل لها الجالية المسلمة هاجسًا ديموغرافيًا مقلقًا, فقد ظلت تعوّل أوروبا طيلة عقود من الزمن على قوة جاذبيتها وقدرتها على صهر الوافدين الجدد في بوتقتها البراقة, ولكنها تجلت خيبة آمالها, حينما اكتشفت أن جهدها وتصوراتها أصبح هباء منثورًا؛ بعد أن أتضح لها أن المحرك الأساس لهؤلاء الوافدين هويتهم الدينية وثقافتهم المرجعية، وليست الثقافة الوافدة التي حاولت أوروبا أن تصبغهم وتطليهم بها.

فالإسلام إذا لم يكن عدوًا مشتركًا، فهو على الأقل إشكالية مشتركة وصداعًا مزمنًا في قلب القارة الأوروبية المرتعشة خوفًا على حاضرها ومستقبلها من الإسلام.