إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاثنين 30-جمادى الثانية-1433

نفس لهوها التعب [2/2]
الاحد 06 فبراير 2005

[[اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة]]....




نداء أرسله المحدث الملهم في هذه الأمة عمر الفاروق ـ رضي الله عنه ـ لا يزال رجع صداه يتردد عبر القرون، وكأنه كان يستلهم واقعنا من بين ستور الغيب ليشخص داءً عضالاً دب في جسد أمتنا من بعد ما صعّرنا لمنهج الله الخدود، فبينما نرى جلد الفجار وقوة بأسهم، وتفانيهم في نصرة باطلهم، ودأب سعيهم في إقرار فجرهم نرى بإزاء ذلك ضعف الثقات وكسلهم، وتوانيهم عن مراكب القوة والبأس، وقعودهم عن منازل الجد ومعالي الأمور، حتى لكأنه قد تبلد فيهم حس الكفاح ومالوا للكسب وعيش رتيب، وكاد أن يزعزع من همة الأحرار انزواء الأمين وعزم المريب ولكن الرب الرحيم بهذه الأمة يشاء أن يغيثها برحمته ممثلة في فتيان صِباح الوجوه، جدد القلوب، يأبون إلا العيش لهذا الدين والموت في سبيل الله رب العالمين، إنهم طلائع الإيمان، وهدية الله إلى بني الإنسان، بذا وصفهم شاعر الدعوة إذ يناديهم:




أطلائع الإيمان إن محمدًا أرسى القواعد




والرب يحضركم بعزته لديه الكون ساجد




أنتـم هديته إلى الإنسـان في يأس يكابد




رهـط يجاهد في سبيل الله والقرآن قـائد




فمن أجل  انتشال هذا الرهط المجاهد من بين براثن العجز والسلبية، تأتي الحلقة الثالثة من سلسلة إدارة الذات.




ولئن كانت أختها الثانية قد أثارت فيك من الشوق الكوامن، وأصابت من قلبك الشغاف، فاشرأبت عنقك، وتاقت نفسك إلى أن تقطع أولى خطواتك المباركة على درب الكفاءة والفاعلية ممثلة في حيازة السمت الإيجابي الفذ، الذي صاغت العقيدة صاحبه، ففجرت في نفسه ينابيع الإيجابية والمبادرة، فغدت نفسه تستعذب العذاب في سبيل الله، وتتلهى بالتعب والنصب في نصرة هذا الدين، فتعال اليوم أيها الهمام لنصف لك الطريق، بعد إذ لاح أمام ناظريك الهدف.




 




بقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى




اعلم أيها الداعية الناشئ أن طريق اكتساب العادات والأخلاق إنما يكون:




بالرياضة: وهي حمل النفس على الأعمال الجالبة للخلق المطلوب، فمن أراد تحصيل خلق الجود فليتكلف فعل الجواد من البذل ليصير ذلك طبعًا له، وكذلك من أراد التواضع تكلف أفعال المتواضعين وكذلك جميع الأخلاق المحمودة، فإن للعادة أثرًا في ذلك، كما أن من أراد أن يكون كاتبًا تعاطى فعل الكتابة أو فقيهًا تعاطى فعل الفقهاء من التكرار حتى تنعطف على قلبه صفة الفقه، إلا أنه لا ينبغي أن يطلب تأثير ذلك في يومين أو ثلاثة، وإنما يؤثر مع الدوام، كما لا يطلب في النمو علو القامة في يومين أو ثلاثة فللدوام تأثير عظيم'.




بهذا النص التربوي الثمين يقرر لك الإمام الغزالي ـ رحمة الله ـ في إحيائه قاعدة تربوية عظيمة وضعها من قبل سيد المربين ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما قال:




[[إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله]].




 




فطريق التخلص من عاداتنا السلبية، واستبدالها بطبائع الإيجابية والفاعلية إنما يكون عبر تكلف أفعال الإيجابيين لفترة طويلة، يبذل فيها الداعية جهدًا كبيرًا حتى تصير عادات الإنجاز فيه طبعًا متأصلاً، بحيث تصدر عنه أفعال الإيجابية بلا تكلف ولا حرج، وسبب احتياجك إلى هذه المعاناة أن عاداتك السلبية قد تكونت فيك عبر سنين طويلة من معالجة قيود التربية والوراثة والبيئة، فغدت تمتلك جاذبية قوية تشدك إليها باستمرار، فلا بد أن تبذل جهدًا معاكسًا حتى تستطيع أن تتغلب على تلك الجاذبية، والمثل في ذلك كمثل الصاروخ الحامل للقمر الصناعي، يبغي أن يجعله مستقرًا في مداره حول الأرض، فتعيقه قوى الجاذبية الأرضية، فيبذل قوة دفع في الاتجاه المعاكس لها، حتى إذا خرج من مجالها دار القمر الصناعي في مداره بلا تكلف ولا عناء، ومن أجل استلزام طريق الإيجابية لهذا التعب وتلكم المعاناة أخبرك الموفقون من سادات السلف بخلاصة تجربتهم في هذا الطريق، وهي أن: [[طلب الراحة في الدنيا لا يصلح لأهل المروءات، فإن أحدهم لم يزل تعبان في كل زمان]].




ولما سئل إيجابي فذ: إلى كم تتعب نفسك؟ فقال: راحتها أريد.




ـ وتعال معي الآن يا فتى الإسلام، في جولة سريعة نتعرف فيها سويًا على أفعال الإيجابيين التي نطالبك بتكلفها دهرًا حتى تصير الإيجابية فيك سجية وطبعًا.




 




حتى يغيروا ما بأنفسهم




يخبرك أهل الاختصاص أن الشخص الإيجابي يركز معظم وقته وجهده في الموضع الصحيح، وذلك عبر معرفته واستخدامه لدوائر التأثير المختلفة التي يتعامل من خلالها مع واقعه، فلكل منا دائرتان يستطيع أن يؤثر من خلالهما في نفسه وواقعه:




الدائرة الأولى: دائرة النفوذ:




ويدخل في نطاقها كل أمر يقع تحت سيطرتنا المباشرة، وأوضح مثال على ذلك قضايا التربية الذاتية، وتزكية النفس، وعلاج أخطائها، والارتقاء بمستواها علمًا وعملاً.




 




والدائرة الثانية: دائرة الاهتمامات:




ويدخل في نطاقها كل أمر نهتم به ولكن لا يقع تحت سيطرتنا المباشرة، مثل مشاكل المدعوين، والفساد المستشري في مجتمعاتنا، وتسلط المنافقين على مقاليد الأمور فيها، واحتلال اليهود والصليبيين لديار الإسلام.




والداعية الإيجابي  هو الذي يركز على دائرة نفوذه، فيسعى لاستغلالها لكل طاقته، ليتعامل من خلالها مع دائرة اهتماماته، إذ أنه كلما زاد تركيز الإنسان على دائرة نفوذه فإنها تقوى وتتسع شيئًا فشيئًا لتلتهم دائرة اهتماماته، ويعني ذلك أن يفكر الإنسان أكثر فيما يستطيع أن يفعله، ولا يصرف تفكيره وجهده فيما لا يستطيع أن يفعله، وهو ما ينصحك به ذلك الشاعر السلفي الهمام إذ يقول:




إذا لم تستطع شيئًا فدعه             وجاوزه إلى ما تستطيع




 




وتذكر معي الآن خبر أبي بصير ـ رضي الله عنه ـ الذي قصصناه عليك في الحلقة السابقة، وتأمل كيف تعامل مع مشكلة تقع في دائرة اهتماماته: وهي رد النبي صلى الله عليه وسلم له بعد إذ جاءه مهاجرًا وفاءً لعهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع المشركين، فصرف ذلك الفذ جهده نحو دائرة نفوذه، بأن عسكر في سيف البحر وضم إليه المؤمنين الجدد في كتيبة مجاهدة ألحقت الضرر البالغ بقوافل الكافرين، حتى تحولت الظروف لصالحه، وأرسلت قريش إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترجوه أن يضم إليه هذه الكتيبة حتى تأمن قريش شرها.




 




والتركيز على دائرة النفوذ هو ما طالبنا به الله ـ تبارك وتعالى ـ في هذه السنة الإلهية التي يحكم بها عز وجل صراعنا مع حزب الشيطان {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم}[الرعد:11].




فلو أن الدعاة إلى الله كان منهم انكباب على ذواتهم، بتحصيل إيمان لاهب ويقين راسخ، واكتساب علم شرعي عميق، وثقافة شمولية عصرية، وبناء قوة سياسية واقتصادية، وحيازة منابر إعلامية دعوية، لزاد تأثيرهم في مجتمعهم، ولرجحت كفتهم على كفة الباطل في ميزان القوى بما معهم من فضل إيمان ويقين حرم منهما الجاهليون، ولو أن داعيتنا الناشئ كان منه عكوف معتدل متوازن على نفسه، بخلوات يتصل بها بربه، وأوقات يصرفها في حفظ قرآن وحديث ومتون علم شرعي، وجولات يقتحم فيها غمار ثقافة شمولية عصرية، وسياحات يختلط فيها بالناس بحجزهم عن النار، لأشارت إليه أصابع الأمة قائلة لجماهيرها استأجروه، إن خير من استأجرتم القوي الأمين.




 




فلا اقتحم العقبات




ثم لتعلم أيضًا أيها الهمام أن ما يواجهك في حياتك من مشكلات، يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع كمدخل للتعامل معها بإيجابية واقتدار.




النوع الأول: مشاكل تقع تحت سيطرتك المباشرة:




وهي الخاصة بتصرفاتك الشخصية، كعيب فيك تبغى إصلاحه مثلاً.




النوع الثاني: مشاكل  يمكنك أن تؤثر فيها بطريقة غير مباشرة:




 وهي التي تتعلق بتصرفات الآخرين كسلوك سيئ في أحد مدعويك تبغي تغييره بضده.




النوع الثالث: مشاكل لا يمكنك السيطرة عليها أو التأثير فيها:




سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، مثل تلك المتعلقة بالماضي أو بحقائق الأمور خارجة عن نطاق إرادتك، كصمم عن سماع صوت الهداية أصاب أحد مدعويك بعد إذ استفرغت وسعك في إسماعه إياه.




 




ولكي يرتقي الداعية ذروة سنام الإيجابية فعليه أن يواجه مشاكل النوع الأول، وذلك بتغيير تصرفاته إلى الأفضل قبل أن يطلب من غيره أن يفعل ذلك، ويعينه على ذلك اكتساب العادات الثلاث الأولى [[عادات الانتصار الشخصي]] من منظومة الفاعلية السباعية، والتي نحن بصدد أولها الآن.




ثم يواجه مشاكل النوع الثاني وذلك بتغيير طريقة تعامله مع الآخرين، وتساعده على ذلك العادات الثلاث [[عادات الانتصار الجماعي]].




 




وأما المشاكل التي من النوع الثالث فعليه أن يتقبلها كما هي وأن يتعلم كيف يتعايش معها بنفس راضية حتى لا تؤثر في معنوياته أو قدرته على مجابهة غيرها من المشكلات التي يستطيع أن يفعل بإزائها شيئًا، ولما كاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهلك نفسه حزنًا على إعراض من تولى وكفر، عاتبه ربه جل وعلا فقال: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف:6].




 




ولقد أوجز لك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الدرس الإلهي بعد إذ وعاه جيدًا وزادك عليه في هذا النص النبوي الثمين: [[استعن بالله ولا تعجز، ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، وكذا فإن 'لو' تفتح عمل الشيطان]].




 




فتجابه مشاكل النوع الأول والثاني بأن تستعين بربك عليها ثم بما أتيح لك من أسباب عبر دائرة نفوذك، وأما مشاكل الماضي التي خرجت عن سيطرتك، فإن الحزن عليها من قبيل البكاء على اللبن المسكوب، فسلم فيها بقضاء ربك، وارض بها وتعايش معها كواقع، واحذر أن يحاصرك الشيطان فيها بسلاح 'لو' فيصيبك بعجز أو إحباط.




 




الجزء الأول




  نفس لهوها التعب [1/2] ... إدارة الذات




 





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق