
مفكرة الإسلام : في توقيت مثير للتساؤل صرح وزير الثروة المائية التنزاني إن بلاده ترغب في التزود من مياه بحيرة فيكتوريا عبر أنابيب تمتد بحوالي 170 كيلو مترًا لتوصيلها إلى حوالي 24 قرية وأجزاء واسعة في الشمال الغربي لتنزانيا تتعرض لأزمة المياه والجفاف و كما هو المتوقع فقد رفضت مصر والسودان؛ باعتبارهما من دول المصبِّ لنهر النيل هذا التصريح لأنه سيؤثر على حصتهما من المياه.
وقد زاد الوزير التنزاني الأزمة اشتعالاً بقوله إن الاتفاقيات المائية المُبرمة في عهد الاستعمار- يقصد اتفاق 1929م بين مصر وبريطانيا لتنظيم استفادة مصر من بحيرة فكتوريا والتي تعطي الحق لمصر على أن توافق أو لا توافق على أي مشروع يقترحه أي طرف من أطراف دول حوض النيل للاستفادة من المياه- لا تلزم بلاده وأنها لم تلتزم بهذا الاتفاق وستمضي قُدُمًا في إنشاء مشاريعها دون استشارة مصر مشيرًا إلى أن المشروع سيبدأ الشهر المقبل لينتهي العمل فيه عام 2005م بتكاليف 7807م مليون دولار!!.
وتأتي تصريحات الوزير التنزاني في وقت تعالت فيه أصوات دول من حوض النيل تطالب ببيع مياه النيل لمصر.. الأمر الذي نفاه وزير الري المصري محمود أبو زيد لصحيفة الأهرام المصرية الرسمية مؤكدًا أن وزراء المياه في أوغندا وتنزانيا وكينيا أكدوا له أن ما يُثار عن بيع المياه لمصر لا يعبر عن المواقف الرسمية للحكومات الإفريقية ولا يتعدى كونه تصريحات صحفية لا تعبر بالمرة عن المواقف الرسمية وآراء الحكومات التي تلتزم بها.
ونقل الوزير المصري- عقب حضوره اجتماعات خبراء ووزراء المياه والزراعة في إفريقيا- عن وزراء حوض النيل أن حكوماتهم جادة في دعم مبادرة آلية حوض النيل والرؤية الشاملة ومشروعات الأحواض الفرعية للنيل مع دعمها أعمال لجنة التفاوض التي بدأت اجتماعاتها في يناير الماضي بأديس أبابا.
وكانت دول الحوض قد اتفقت- في اجتماعها الوزاري في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في سبتمبر 2003م- على آلية جديدة لحل نزاعات دول حوض النيل والاتفاق على حل أي نزاع مائي بين دول الحوض بالطرق الودية دون اللجوء إلى استعمال القوة؛ حيث تساهم الصناديق الدولية والدول المانحة والغنية في تمويل هذه المشروعات لصالح شعوب دول الحوض.
كما اتفقوا على ضرورة عقد اجتماعات وطنية بكل دولة من دول الحوض للتعريف بأهمية مبادرة آلية نهر النيل الجديدة؛ وذلك لدرء أي محاولات للوقيعة بين شعوب وحكومات دول الحوض وقرروا البدء في تنفيذ أول المشروعات المشتركة طبقًا للآلية الجديدة في بداية شهر أكتوبر المقبل والمموَّلة من الجهات الدولية المانحة بمبلغ 25 مليون دولار؛ بهدف اقتسام مياه النيل.
كما تمَّ الاتفاق على مبادرة حوض النيل التي تهدف إلى بناء الثقة بين دول النيل وهي تتصل مشروعات ذات منافع مشتركة وتشمل بناء خزانات ومشروعات الربط الكهربائي بالإضافة إلى تطوير الإدارة المبكرة للفيضانات والجفاف وأعمال الوقاية مثل مشروعات مكافحة التصحُّر والجفاف و المساقط لتوليد الطاقة الكهربائية في مواضع الخزانات المختلفة في إثيوبيا.
وقد جاءت محاولات إبرام اتفاقات تعاون بين دول الحوض في أعقاب إعداد التجمع البرلماني لجماعة دول شرق أفريقيا- كينيا وأوغندا وتنزانيا- تقريرًا في أغسطس 2003م حول اتفاقية ماء النيل عام 1929م بين مصر وبريطانيا والتي انتهت بالمطالبة بمراجعة نصوص الاتفاقية مع اقتراح بيع مياه البحيرات العظمى لمصر والسودان؛ مما أثار أزمةً كبيرةً وبوادرَ حرب مياه في المنطقة.
وخلال شهر ديسمبر 2003م في مناسبة انعقاد مؤتمر وزراء مياه عموم إفريقيا ثم المؤتمر الوزاري لدول حوض النيل العشر تفجَّر النقاش حول الموضوع في الصحافة المصرية التي نشرت تصريحات للوزير الدكتور محمود أبو زيد ومقالات لعدد من الكتَّاب امتد إلى موعد انعقاد مؤتمر رؤساء البرلمانات الإفريقية بالقاهرة في يناير 2004.
و لكن ما الذي فجر حرب المياه في وادي النيل من جديد بعد أن كان الموضوع قد هدأ قليلا ؟
ما هو المطلوب من مصر لكي تفعله و لم تفعله ؟
هل لازالت مع مصر أوراق في المنطقة تملكها و مطلوب التنازل عنها الآن ؟
إن المتتبع لتوقيت ظهور الخلافات وإبرازها يرى إن قضية مياه نهر النيل كانت دائما ورقة سياسية تريد بعض القوى الإقليمية والدولية استخدامها للضغط على مصر و السودان لتقديم تنازلات في قضايا سياسية تعلق بالمنطقة وليس أدل على ذلك ما حدث بين مصر وإثيوبيا في أواخر السبعينات حينما وصل إلى سدة الحكم في إثيوبيا نظام عسكري ماركسي التوجه يرتبط بعلاقات سياسية وعسكرية وثيقة مع الاتحاد السوفييتي السابق في الوقت الذي كانت فيه القيادة السياسية المصرية ترتبط بعلاقات سياسية وثيقة مع الولايات المتحدة، وعليه اندلعت الخلافات السياسية بين الجانبين، وسرعان ما انعكست على قضية المياه.
و عندما أعلنت إثيوبيا عن إقامة سد على النيل الأزرق بتمويل من صندوق النقد الدولي جاء هذا مع لعب مصر دوراً رئيساً في المصالحة الصومالية واستضافتها لأطراف النزاع في القاهرة؛ الأمر الذي شعرت معه إثيوبيا بأن مصر تحاول أن تنال من دورها الإقليمي في القرن الإفريقي. وكان هذا أيضاً متقاطعاً مع محاولة مصر الخروج من دائرة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط واعتراضها على محاولة أمريكية لتأديب عراق صدام حسين في عام 1998 فأرادت أمريكا اللعب بورقة المياه عبر بوابة صندوق النقد الدولي [الممول له حقيقة أمريكا] وفتح الاعتمادات اللازمة لتمويل سد إثيوبيا مما أثر بالفعل على الموقف المصري الذي بدا متراجعاً عن موقفه السابق مع العراق.
و في الأسابيع السابق للتصعيد الأخير أبدت الحكومة المصرية مواقف سلبية حيال عدة قضايا إقليمية مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير و المشاريع الإسرائيلية في فلسطين كما إن السودان بدا أقل ميلا للتنازلات الأخيرة في المفاوضات مع جارانج و من هنا جاءت هذه الضغوط التي أثمرت تراجع مصريا في الموقف من الانسحاب من غزة حيث أبدت استعدادا لتولي دور أمني استخباراتي داخل القطاع كما عاد الوفد السوداني إلى المفاوضات مع المتمردين و التي كان قد قطعها من قبل .
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"