
نيكولا كولاندر
ترجمة: سارة عبد الحميد
مفكرة الاسلام: لم تعد لعبة الخداع الأيديولوجي التي تكمن في وجود الجيش الفرنسي كقوة تتمسك بشدة باستقلال لبنان وحماية شعبها وتحقيق السلام و'لما لا' بتمسك أيضًا بقرارات الأمم المتحدة، لم تعد تخفي الواقع أن الصورة ليست إلا تكرار للتاريخ: منذ أكثر من خمسين عامًا، كان لبنان المركز الأمامي للوجود الفرنسي في الشرق الأوسط. كما يدخل القرارين رقم 1559 و1701 ضمن مواصلة السياسيات الاستعمارية الجديدة لفرنسا فهو مزيج من سياسة الاحتلال العسكري المباشر وسياسة الوصاية وسياسة المحسوبية؛ ويهدف الهجوم الأيديولوجي الحالي إلى تقديم صورة فرنسا كما لو كانت شريكة لبنان، أي 'المقر الطبيعي لازدهار الفرانكوفونية' وكأن تاريخ طويل مشترك يربطهم من جانب البحر المتوسط: ستظل فرنسا ' صديقة لبنان'، وفقًا لتصريحات الرئيس الفرنسي جاك شيراك.
هذه هي سياسة الخداع، فإن علاقة فرنسا بلبنان علاقة الإذلال، فالوصاية الفرنسية يتم التعبير عنها بمختلف الطرق ومنها تطويع لبنان وتنوع المؤسسات المجتمعية السياسية بتفويض فرنسي منذ عام 1920 حتى 1943 وكذلك منذ نزول القوات الفرنسية في بيروت عام 1982 ' وهو ما ساهم في تغطية عودة الولايات المتحدة إلى الساحة اللبنانية' للتوصل في خريف عام 2004 إلى تصديقها مع الولايات المتحدة على قرار 1559 الذي سيساهم في زعزعة جديدة لاستقرار لبنان وبالتالي على المنطقة بشكل كامل.
من الصعب فهم الأحداث الحالية من نشر القوات الفرنسية في لبنان في إطار قرار 1701 وإدارة فرنسا لقوات اليونيفيل دون تناول السياسة العامة للسلطات الفرنسية الخارجية منذ خريف عام 2004. وقد تسبب القرار الأممي رقم 1559 الذي تم تحريره بين فرنسا والولايات المتحدة في حدوث انقلاب شامل في وضع المنطقة الإقليمية. وفي الوقت الذي تعالت فيه المطالب برحيل القوات السورية من لبنان وكذلك رحيل الرئيس اللبناني إميل لحود فضلاً عن المطالبة بشكل خاص بنزع سلاح الميليشيات اللبنانية والفلسطينية، تتحيز فرنسا بشكل مباشر للمصالح الأمريكية و'الإسرائيلية' في المنطقة، حيث أن قرار رقم 1559 يدخل بالكامل في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي ترعاه الولايات المتحدة: فإنها تشارك بفكر استعماري جديد تبحث فيه قوى الغرب الكبرى عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفقًا لنواياهم 'الحسنة'، وأيضًا يبحثون عن إرضاء مصالح 'إسرائيل' ولاسيما بالموافقة ضمنيًا على احتلال الأراضي اللبنانية 'شبعا' و'كفر شوبا'، بالإضافة إلى رغبتهم في إضعاف سوريا وإيران. إن الأمر متعلق بتحول في السياسة الفرنسية الخارجية التي كانت شبه معارضة لمشروعات الأمم المتحدة ولاسيما في وقت حرب العراق.
ومن خلال التصالح مع إدارة بوش على حساب اللبنانيين، قررت فرنسا توفير كافة سبل التدخل مجددًا في الشرق الأوسط وإعادة نشر سياستها الاستعمارية الجديدة في المنطقة وأن تصبح قوة مركزية من جديد في الصراع الشرق أوسطي. هناك إذا نقاط التقاء في وجهات النظر وإعادة تقسم للأدوار بين فرنسا والولايات المتحدة: فبالنسبة للولايات المتحدة سياسة الوصاية على العراق ودول الخليج، أما بالنسبة لفرنسا فإن سياسة الوصاية ترتكز على سوريا ولبنان، وهم دول الانتداب السابقة. ولا يتوافق قرار رقم 1559 الصادر في سبتمبر 2004 مع شيء سوى مع التقسيم الجيوسياسي للشرق الأوسط، ومع إعادة عامة لتوزيع الأوراق حيث تتفق القوى الإمبريالية على تقسيم أراضي العرب.
وتشارك فرنسا منذ أكثر من عامين الآن في زعزعة عامة لاستقرار لبنان: فإن قرار رقم 1559 ليس إلا بداية. وأثناء مطالبة فرنسا بنزع سلاح حزب الله والميليشيات الفلسطينية، لا تتفوه بكلمة عن انتهاك 'إسرائيل' المستمر لسيادة الأراضي اللبنانية، متجاهلة مسألة احتلال مزارع شبعا وكفر شوبا فضلاً عن قضية السجناء اللبنانيين في 'إسرائيل'. وعقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق 'رفيق الحريري' لم تكف فرنسا عن ممارسة الضغوط على سوريا في الوقت الذي لم ينته بعد التحقيق حول ملابسات الاغتيال. ومن جانبه، قاطع شيراك الرئيس 'إميل لحود' - ذوو التوجهات الموالية بشدة لسوريا من وجهة نظره، مستقبلاً في قصر الإليزية بحفاوة شديدة نجل رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري كرئيس دولة في حين أنه ليس إلا مجرد نائب. وتعتبر قوى 14 مارس [ التحالف المناهض لسوريا المكون من عائلة الحريري وحزب وليد جنبلاط الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني والقوة اللبنانية بمثابة أبطال الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما تم تمثيل احتشاد جزء من الشعب اللبناني ضد الوجود السوري كحركة وطنية للتحرير.
وبشكل مجمل، قد أصبحت فرنسا أحد المتحاربين في الصراع السياسي الدائر في لبنان والذي يتضح من خلالها صراع بين فكرين: فكر الانحياز للغرب المتجسد في قوى 14 مارس، وفكر تحالف المصالح الفرنسية، الأمريكية، 'الإسرائيلية'... وهذا ما يشير إليه الكاتب جورج قرم 'عادت لبنان إلى وضع الدولة الحاجز بين القوات المتنافسة التي تتصراع شيئًا فشيئًا بشراسة في الشرق الأوسط'. وقد حالف الحظ فرنسا والولايات المتحدة في توجيه اللوم للوجود العسكري والسياسي السوري في لبنان: فهم لا يحاولون فعل شيء آخر سوى وضع لبنان تحت الوصاية.
وتدخل نهضة قوى 14 مارس في إطار فكر اقتصادي ليبرالي جديد معاصر، بداية من وليد جنبلاط حتى الحزب اليساري اللبناني لسمير جعجع مرورًا بـ'تيار المستقبل' لأسرة الميلياردير الحريري، إن القوى المناهضة لسوريا قوى مناهضة أيضًا للقضايا اللبنانية المتعلقة بتفكيك كل ما قد يُشكل دولة اجتماعية قوية. وهو ما تلقاته حكومة السنيورة من هجمات ضد ما تبقى من الأجهزة الحكومية اللبنانية ومحاولات خصخصة شركة 'ميدل إيست إيرلينز'، وشركة الكهرباء اللبنانية. وتعتبر قوى 14 مارس أيضًا قوة في النظام المجتمعي وكبرى العائلات ولها تأثيرها على سياسة النظام العام الموالي للغرب. وتعتبر آليات المشروع الأمريكي الفرنسي الذي يسعى لتكميم صورة 'لبنان الديمقراطي السيادي' قائمة على الليبرالية والموالاة للغرب وسياسة الإذلال وسيطرة رؤوس الأموال.
لقد فشلت محاولات الإخضاع جزئيًا، وبلا شك ينبغي على السلطات الفرنيسة أن تشعر نسبيًا بخيبة الأمل حيث لم يكفي عامين من الحرب الإيديولوجية والسياسية في تطبيق قرار 1559. أولاً، لقد تمكن حزب الله من لعب دور مُصلح الأمة بالاندماج في الحكومة اللبنانية في ربيع 2005 والمشاركة المنتظمة في كافة محاولات الحوار الوطني ولاسيما التي أطلقها رئيس البرلمان نبيه بري. ثانيًا، أبرم أحد المعارضين المتشددين لسوريا الجنرال ميشال عون، في فبراير 2006 اتفاقًا سياسيًا مع حزب الله، مما أسفر عن تغيير شامل في قواعد اللعب، فلم يعد جزء من المجتمع المسيحي مؤيدًا للقواعد الأمريكية الفرنسية. ثالثًا، حرب الثلاثة وثلاثين يومًا بين المقاومة اللبنانية المؤيدة لحزب الله و'إسرائيل' التي غيرت جذريًا قواعد اللعب. ومنذ الأيام الأولى من الصراع، لم تكتف 'إسرائيل' والولايات المتحدة، وفرنسا بالمطالبة بتطبيق قرار 1559. وبالفعل، لم تتمكن القوات العسكرية 'الإسرائيلية' من نزع سلاح حزب الله، كما أنها خسرت القوى الغربية على صعيد آخر وهو محاولات تقسيم المذاهب اللبنانية وعزل حزب الله، بل استغلت ذلك المقاومة إبان الحرب في إطار الاتفاق الوطني، بل وانساقت الحكومة اللبنانية لفؤاد السنيورة نفسها وراء مطالب حزب الله: الحصول على الأراضي اللبنانية التي تحتلها 'إسرائيل' وإطلاق سراح السجناء.
ولمفارقات الزمن، وجدت فرنسا نفسها في مأزق بالنسبة لفكرها: فإن الحكومة التي كانت قد ساهمت في قيامها مجبرة في الانسياق وراء فكر المقاومة. ومنذ ذلك الحين، لم تستطع فرنسا بعد الحث على نزع سلاح المقاومة بالقوة كما كانت ترغب القيام به في بداية الأمر، كما يعتبر التصويت على قرار 1701 إقرار شبه فاشل في الجانب الغربي. وكما ذكر 'جيلبر أشقر': لم يرض قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوم 11 أغسطس 2006 بشكل كبير 'إسرائيل' وواشنطن وحزب الله، ولا يعني ذلك أنه قرار 'عادل ومتوازن' ولكنه فقط تعبير مؤقت عن مرحلة عسكرية'.
وبالفعل، لم تنجح 'إسرائيل' والولايات المتحدة بتمرير فكرة نشر قوات الناتو في لبنان بهدف نزع سلاح حزب الله بالقوة، ولم تنجح فرنسا والولايات المتحدة من جانبهما في تكوين قوات تابعة للأمم المتحدة، تكوين قوة حقيقة لنزع سلاح حزب الله بدلاً من قوات اليونيفيل في ظل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يسمح باستخدام القوة العسكرية مباشرًا :'إن التساهل الرئيسي بين واشنطن وباريس يكمن في التخلي عن مشروع إنشاء قوة متعددة الجنسيات في إطار الفصل السابع، وبدلاً من ذلك سمح القرار 'بزيادة قوات اليونيفيل بحد أقصى 15 ألف جندي' لإعادة تنظيم القوات القائمة وزيادتها'.
ويعتبر أيضًا قرار 1701 علامة لفشل جزئي للقوات الامبريالية ومن ضمنها فرنسا، لذلك فإن هذه الحرب حرب الثلاثة وثلاثين يومًا تمثل في كافة الأوجه تحولاً رمزيًا لا يمكن تقدير نتائجها إلا بمرور الزمن، إلا أن الصراع لم ينته بعد: أصبح الأمر يتعلق بمعارضة تطبيق قرار 1701 وإرسال القوات الفرنسية للبنان وذلك يرجع لسببين: الأول، فرنسا ترى هنا مناسبة للتمركز العسكري في لبنان ومواصلة التأثير السياسي على علاقات القوى السياسية التي نظمتها بنفسها منذ عامين. ثانيًا، إذ لم يسمح قرار 1701 بنزع سلاح حزب الله مباشرًا، فإنه سيبقى غير عادل وخطير كبير؛ فغير عادل: لأنه يلصق لحزب الله ولبنان مسئولية الصراع، دون حتى الإشارة إلى الهجمات المتكررة والاحتلال 'الإسرائيلي' لجزء من لبنان منذ عشرة أعوام، أما كونه خطر كبير، لأنه من خلال السماح بنشر 15 ألف رجل مسلح في لبنان، فإنها وقعت في ورطة كارثية بالنسبة للبنانيين. ولا يمكن القول إلا أنه في المستقبل لن يتم التصويت على قرار جديد قد يسمح بتدخل عسكري مباشر ضد المقاومة اللبنانية.
وإذا كان قرار 1701 يمثل بالفعل فشل نسبي للفكر الأمبريالي، فإنه يدخل بلاشك في إطار إعادة انتشار للاستعمار الفرنسي والولايات المتحدة الذي جاء من قبل نتيجة قرار 1559. ولم تتغير السياسية الفرنسية: فإنها تواصل تاريخا وفكرها الاستعماري الذي دأبت على انتهاجه منذ فترة الانتداب على لبنان، فرنسا ليست صديقة لبنان: إنها تريد أن تُبقى من هيمنة وصايتها.
ومن جانب آخر، قامت السلطات الفرنسية بإرسال سفينة تجسس في عرض البحر اللبناني بهدف الاحتفاظ بوسائل الاتصال العسكرية والسياسية في المنطقة، وفقًا لما ذكرته الصحيفة الفرنسية الأسبوعية الساخرة ' لو كانار انشونيه' في عددها الصادر يوم الأربعاء 30 أغسطس 2006.
وقد أضافت الصحيفة أن السفينة ' دوبي دو لوم' مزودة بتجهيزات ألكترونية تعمل لحساب الأجهزة الفرنسية: جهاز الاستخبارات الفرنسية الخارجية وإدارة الاستخبارات العسكرية، كما يوجد على متنها متخصصون في التجسس والاتصالات العسكرية وسياسين وآخرين.
واستطردت الصحيفة: لقد أثار وجود هذه السفينة غضب القادة 'الإسرائيليين' مؤكدة على أن فك شفرة الاتصالات ستسمح للرئيس شيراك بمعرفة كل ما يقوله 'الإسرائيليين' واللبنانيين وزعماء حزب الله والسوريين.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"