
تخيل وليداً عمرُه شهرٌ واحد، قضى اللهُ أن لا يعيشَ سوى هذا الشهرَ فقبضَهُ ديانُ يومُ الدين، وقبرَ مع المقبورين، وبينما هم في قبورِهم: إذ نفخَ في الصور، وبُعثرَتِ القبور، وخرج المقبور، وكان فيمن خرجَ ذلكم الصبيُ ذو الشهرِ الواحد، حافياً عاريا أبهمَ، نظر فإذا الناسُ حفاةٌ عراةٌ كالفراشِ المبثوث.
الشمسُ كورت ومن رؤوسِ الخلائقِ أدنيت .. الصحفُ نشرت، والموازينُ نصبت، والكتبُ تطايرت، وشهدَ الأعضاءُ والجوارح، وبدت السوءاتُ والفضائح، وابتليت هنالك السرائرُ، وانكشفَ المخفيُ في الضمائر.
هنا.. تخيل ذلك الوليدُ صاحبَ الشهرِ الواحد، ما اقترفَ ذنبًا، وما ارتكبَ جُرمًا، والأهوالُ محدقةٌ به من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، تخيلهُ مذعوراً قلبُه، اشتعل رأسُه شيبًا في الحال لهولِ ما يرى، فيا لله لذلك الموقف.
هذا بلا ذنبُ يخاف مصيره كيف المصرُ على الذنوبِ دهورُ
قال عز وجل:{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا[17]}[سورة المزمل].
ما النجاة وما المخرج؟
في هذه الأهوالِ التي تبيضُ منها مفارقُ الولدانِ، النجاة والمخرج في أمرٍ لا يصلحُ قلبٌ، ولا تستقيمُ نفسٌ ولا تسعدُ إلا به، إنه وصية الله للأولين والآخرين:{...وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ...[131]}[سورة النساء].
تقوى اللهِ وكفى..{وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[61]}[سورة الزمر]. ويقول:{ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا[71] ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا[72]}[سورة مريم].
أهي كلمةٌ تنتقى وتدبج في مقال؟ أم هي شعارٌ يرفعُ بلا رصيدٍ من واقع؟ كلا ما كلُ منتسبٍ للقولِ قوالُ:
ولو أن أسباب العفاف بلا تقى نفعت لقد نفعت إذًا إبليسُ
لا ينجي في تلك الأهوالِ إلا حقيقةٌ التقوى.. فما حقيقةُ تلك الكلمة؟
إنها استشعارِ رقابةِ اللهِ على حياتِك حتى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، وتلك أعلى مراتب الإيمان وهي مرتبة الإحسان.. بل هي هيمنةُ الدينِ على الحياة كلها عقيدةً وشريعة، عبادة ومعاملة، خُلقًا ونظاماً، رابطة وأخوة.. هيمنَةً-كما أرادها الله- تجعلُ الحياةَ خاضعة في عقيدة المسلم وتصوره لله، لا يند منها شيء.
فهِم هذا أصحابُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فترجموه في واقعِ سلوكُهم، صِرتَ ترى شرع الله يدبُ على الأرضِ في صورةِ أناسٍ يأكلون الطعام ويمشونَ في الأسواق.
إذا ما دعو للهدى هرولوا وإن تدعهم للهوى قرفصوا
نفوس لا يحركها إلا دينُ الله.. إنهم لم يقفوا عند امتثال أمره واجتناب نهيه، بل تابعوا أفعال المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولاحظوا تصرفاته بكل شوق وحرص على الإقتداء حتى إذا ما فعل شيئًا سارعوا إلى فعله مباشرة؛ لأنهم يعلمون أن سنته سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك.. ثبت عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ قَالُوا رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا...رواه أبوداود والدارمي وأحمد. توحيد في الإتباع:
فمن قلد الآراء ضل عن الهدى ومن قلد المعصوم في الدين يهتدي
بل كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
[ِأنَ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ ] يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالَ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ.رواه أبوداود وأحمد.
ومن ذلك يتجلى لنا مظهرُ أفرادِ المجتمعِ المسلم في ظلِ إدراكهمُ الصحيحُ لمفهوم الإسلام، فليستِ المسألةُ عندَهم فرائضَ يفرِضها هذا الدين على الناس بلا موجبٍ إلا رغبةُ التحكمِ في العباد. بل هيَ وضعُ للإنسانِ في وضعه الصحيح كإنسان يستشعر رقابة المولى، وتلك هي حقيقةُ التقوى.
هل هؤلاء استشعروا رقابةَ الله؟
هل استشعرَ رقابةَ الله: من يشهدُ أن لا إله إلا الله، ويصبح مجتهداً في مطعمِ حرام، وملبس حرام، وغذاءِ حرام؟ يصبحُ وقد ضربَ هذا، وشتمَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفك دم هذا، ووقعَ في عرضِ ذاكَ؟!
هل استشعرَ رقابةَ الله: من يجلبُ النار ليحرقَ بيتَه وأهله، من يُخربَ بيتَه بيده بوسائلَ لا تزال تُمطره بوابلٍ من أغانٍ وأفلام ماجنة، وقصص سافلة، وترويض للنفوسِ على الكذبِ والنفاقِ وقلب الحقائق؟ ألم يستشعرَ أنه لو مات على حالته تلك؛ مات خائنًا لأمانته. حاملاً يوم القيامة وزرَه ووزرَ أبنائه وأهله من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا. ولا يعفيك من حساب الله، ولا من لوم الناس، ولا تأنيبَ الضمير أن تقول: أنا ضحية، وما البديل؟!
هل استشعرَ رقابةَ الله: من يتعبدُ بأعمالٍ ليس عليها أمرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وحجته ازديادُ الخيرِ، وحبُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم{...فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[63]}[سورة النور].؟!
هل استشعرَ رقابةَ الله: من ليلُه سهرٌ على ما حرم الله، ويصبحُ مجاهرًا بمعصيةِ؟
لجوء إلى الله، وتعرفُ إليه في الشدةِ والرخاء لا على سواه..عرافًا كانَ أو ساحرًا، أو كاهنًا أو مقبورًا.
حقيقة كلمة التقوى..أن تكون كراكب على ظهرِ خشبةٍ في عرضِ البحرِ: تتقاذفُك الأمواجُ وأنت تدعو: يا رب يا ربِ لعل اللهَ أن ينجيك.
حقيقة الكلمة..أن لا تنطقَ بكلمةٍ، ولا تتحرك حركةٍ، ولا تسكنَ سكونًا إلا وقد أعددتَ لهُ جواباً بين يدي الله، فإنك مسؤولٌ فأعدَ للسؤالِ جواباً صوابًا.
حقيقة الكلمة..حذرك أن يأخُذَك الله وأنت على غفلةٍ، أن لا يحضرَ حقٌ لله إلا وأنت متهيأ له، أن لا تكونَ عدواً لإبليسَ في العلانيةِ صديقاً له في السر.
حقيقة الكلمة..استشعار قدرَةِ الله: خصوصاً عند إرادةِ الظلم لعبادِ الله،، يحسبُ المرء أنه يُعجزُ اللهَ فيلهو ويملئ الأرض ظلماً. قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي[اعلم أَبَا مَسْعُودٍ]فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ[عْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ]فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي فَقَالَ[عْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ]فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَالَ[أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ] رواه مسلم.
حقيقة الكلمة.. نصرة ونجدة المظلومين:وإنصافهم عند القدرة من الظالمين، ومن نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الآخرة، وليس من شأن المسلم المتقي الله حقًا أن يدع أخاه فريسة في يد من يظلمه، أو يذله وهو قادر على أن ينصره..
كم في المسلمين من ذوي حاجة، وأصحاب هموم وصرعى مظالم وفقراء، وجرحى قلوب في بلاد المسلمين أنّى اتجهت:
كبلوهـم قتـلوهـم مثلـوا بذوات الخدر عاثوا باليتامـى
ذبحوا الأشياخ والمرضى ولم يرحمـوا طفلا ولم يبقوا غلاما
هـدمـوا الدور استحلوا كل ما حـرم الله ولم يرعوا ذمامـا
أيـن مـن أضـلاعنا أفئدة تنصر المظلوم تأبى أن يضاما
نسـأل الله الـذي يكلأنـا نصرة المظلوم شيخًا أو أيامى
انصر الحق والمظلوم حيث كان، ولا تطمع بوسام التقوى حقيقة إلا إن كنت فاعلًا متفاعلًا نصيرًا، بكلمة.. بشفاعة.. بإعانة.. بإشارة خير.. بدعاء.. بعزم ومضاء .
من محاضرة: 'الحقيقة' للشيخ / علي عبد الخالق القرني
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"