إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاثنين 30-جمادى الثانية-1433

أسباب العدوانية, الوقاية خير من العلاج
الخميس 02 فبراير 2012

عمر السبع

(إن الأطفال لا يولدون عدوانيين, ولكن من الممكن أن تظهر عليهم هذه الميول العدوانية إذا لم يُطلَب منهم التعبير عن آرائهم, أو في حالة عدم الاهتمام بما يحتاجون إليه, وعندما يفترض الآباء أنهم يعرفون الصالح لأطفالهم فهم وبلا قصد، قد يتسببون في تَولُّد غضب مكبوت داخل نفوس أطفالهم, وتكون نتيجة ذلك السلوكيات العدوانية) [التهذيب الإيجابي من الألف إلى الياء, جان نيلسن وآخرون, ص(39)].

فإذا كان الآباء عدوانيين ويميلون باستمرار إلى معاقبة أبنائهم أو السيطرة عليهم؛ فإن ذلك يدفع الأطفال إلى الاعتقاد بأن السلوك العدواني هو الطريقة الأساسية لتحقيق ما يريدون, الأطفال العدوانيون ربما لم يتعلموا كيفية المطالبة بما يحتاجون إليه, أو ربما حُرموا من وجود متنفس لإخراج ما يشعرون به.

العقاب البدني وعدوانية الأطفال!

بالتأكيد سمعت عن الأب الذي يربط طفله في سريره، كما تربط الدابة وينهال عليه بالسوط!

أو عن الطفل الذي كواه والده بالنار في يديه؛ لأنه لم يسمع ولم يطع!

أو عن الأب الذي صفع طفله على وجهه بقوة؛ لأنه أيقظه من النوم!

عزيزي المربي:

(يعتبر توقيع العقاب على الأبناء بصورة متكررة من الأسباب الهامة، التي تدفعهم للتنفيس عن انفعالات الغضب، والقيام بالعدوان عندما يكونون بعيدين عن نظر الآباء.

وكل ما يُحقِّر من شأن الطفل، أو يجرح كرامته وكبريائه باللفظ أو بالفعل قد يحطم من شخصيته، ولا يعاونه على النمو السليم ويؤدي إلى العدوان, ومثال ذلك:

إذا مكَّن الأب ابنه الأصغر من أن يضرب أخاه الأكبر أو يهينه بشكل أو بآخر؛ لأنه سبق أن اعتدى عليه، أو نعت الطفل بما لا يجب من النعوت يدفع الطفل الأكبر إلى العدوان.

وكذلك السخرية من الطفل بأي صورة من الصور "شكله، قدراته"، يؤدي ذلك إلى الشعور بالنقص أو العجز والدونية، مما قد يجعل منه إما متمردًا أو عدوانيًّا أو سلبيًّا.

وكذا التهديد بأشياء خرافية مثل العفريت أو الغول؛ فإن ذلك يثير الرعب المدمر لدى الطفل.

وأيضًا القيام بحبس الطفل في حجرته حتى يحسن التصرف, فتكون النتيجة أن تصبح حجرته سجنًا بالنسبة له)[علم نفس الطفولة ومشكلاتها, د.أحلام حسن محمود ود.أحمد شعبان محمد, ص(44-45)].

عزيزي المربي، إن الأب الذي يقسو على طفله، ويضربه كي يخضعه لطاعته من دون إقناع، لا يربي فيه الاتجاهات العدوانية فحسب، بل يشجعه على أنماط من السلوك الخاطئ، والمعلم الذي يبتعد عن شعور تلامذته وأفكارهم، ويهددهم في الامتحانات، لا يخلق فيهم شعور الكراهية والتنافس البغيض والحقد والحسد فحسب، بل يدفعهم دفعًا إلى التفكير العدواني.

إن العقاب البدني يدخل في تنشئة الأطفال وفي نمو وتطور الضمير عندهم؛ فالضرب المتكرر يزيد من مسألة الشعور بالذنب عند الأطفال، أي أن الضرب هو الثمن الذي يدفعونه مقابل أخطائهم، ويشعرون بعدها أنهم أحرار في تصرفاتهم، ويصبح الضرب بالنسبة إليهم دينًا مستحقًّا تدفع أقساطه، كلما أساءوا التصرف.

كما أن الصفعة وغيرها من أساليب العقاب البدني الشائعة في مجتمعنا لا تكون مؤلمة؛ بقدر ما تكون وسيلة للإخضاع والإذلال، والطفل الذي يتعود الصفعة يرفع يده فوق وجهه كلما تعرض لأي تهديد، ويستعمل هذا العقاب وسيلة لتأكيد سلطة الآباء أو المعلمين، وفرض الخضوع القسري لهم.

طاعة من غير حب:

إن الطاعة التي تنتج عن هذا الأسلوب التأديبي، لا تكون نتيجة الحب والاحترام بقدر ما تكون نتيجة الخوف، ولهذا الأسلوب آثار عميقة في تكوين شخصية الفرد؛ ومن هذه الآثار ينشأ الطفل على عدم الصراحة والصدق، واعتياده التمويه في سلوكه الاجتماعي، أو أن يحمل شخصية مزدوجة، كما أنها تجعل سلوك الطفل يأخذ الطابع العدواني.

وهل معنى ذلك أن نتوقف عن عقاب الطفل تمامًا؟

بالتأكيد لا... هذا لا يعني أن لا يعاقب الآباء أطفالهم؛ بل إن السلوك الذي يُعاقب عليه الطفل يؤدي إلى عدم تكراره، والسلوك الذي يُكافأ عليه يتكرر عند الطفل، ولكن يجب عدم المبالغة في العقاب أو الثواب.

كذلك علينا أن ننتقي أسلوب العقاب الملائم المبني على التفاهم، ولا يشترط أن يكون العقاب البدني هو أسلوب العقاب الوحيد، بل إن آخر الدواء الكي! مع الانضباط التام بالضوابط الشرعية، التي أرساها شرعنا الحنيف في مسألة العقاب البدني للطفل، من كونه ضربًا غير مبرح، وترفعه عن الانتقام والتنفيس عن الغضب، بل هو للتربية وتعليم الخطأ، ولا يكون إلا بعد استنفاذ جميع الوسائل التربوية الأخرى، من نصح وإرشاد، وموعظة بليغة حسنة.

(إن تعرُّض الطفل للسلوك العدواني يجعله أكثر ميلاً للعدوان، والطفل يتعرض لعدوان الآخرين داخل الأسرة كما يتعرض له في المدرسة وفي المجتمع, والأب نموذج يحتذي الطفل به داخل الأسرة؛ فيتبنَّى القيم التي يعتنقها الأب ويقلد سلوكه, وكلما كان الأب أكثر عدوانية كان الطفل كذلك, وأطفال ما قبل المدرسة يحذون حذو قياداتهم داخل الأسرة، ويقلدون سلوكهم, وفي الحالات التي يغلب فيها أن يكون دور الأب هو الذي يوقع العقاب بالطفل، لوحظ أن الطفل يكون سلوكه أكثر تطابقًا مع الأب, فهو بدوره يميل إلى أن يوقع العقاب بآخرين في عمره أو أصغر منه.

كما لوحظ أنه في الحالات التي يختفي فيها دور الأب في العقاب للطفل، وكذلك في الحالات التي يتضاءل فيها هذا الدور؛ بسبب تكرار سفر الأب أو غيابه، يكون الطفل أقل إظهارًا للسلوك العدواني.

دراسات هامة:

تشير البحوث التي أجريت في مجتمعات مختلفة إلى أن هناك بيئات أسرية خاصة تُنمِّي السلوك العدواني في الناشئ, وقد أجريت في أحد البحوث مقابلات مع 400 من الأمهات لأطفال في عمر خمس سنوات، وظهر منها أن عدوان الطفل يرتبط بالقسوة التي يمارسها الآباء في العقاب, وظهر كذلك أن عدم التوافق بين الأبوين، والقصور في الرعاية التي تقدم للطفل يكون من العوامل التي وراء الظاهرة) [تربية الطفل النفسية في الإسلام, سيما راتب عدنان, ص(120-123)].

وفي بحث آخر تم دراسة عينة تضم 26 حالة تقع أعمار الأفراد فيها بين (14ـ17) عامًا لحالات يتصف سلوك الأفراد بالعدوان، مقابل 26 حالة أخرى من نفس الفئة العمرية لأفراد غير عدوانيين, وروعي أن تقارب الفئتين في نسبة الذكاء وفي الخلفية الاجتماعية، والاقتصادية، والحي السكني, وتمت مقابلة الأمهات لكل من الحالات، كما تمت مقابلة الآباء وأفراد الحالات كل على حدة, وقد وجد أن آباء أفراد الفئة التي يتصف سلوكها بالعدوان كانوا أكثر استخدامًا للعقوبات البدنية, وكانت أسر هذه الفئة تعاني من فقدان التوافق الأسري بين الآباء والأمهات, وكان الآباء لا يكترثون بالأبناء؛ بل كانوا أكثر ميلاً لرفضهم وعدم الاعتراف بهم.

فهناك اتفاق بين نتائج البحوث التي أُجريت على الأطفال في أعمال مختلفة، تدل على أن السلوك العدواني لدى الأبناء يكون عادة نتيجة للمعاملة القاسية، والجفاف الذي يلقاه الأبناء من الآباء، ويكون نتيجة لعدم الوفاق بين الزوجين.

ولوحظ كذلك أن أطفال الطبقات الدنيا في المجتمع يكونون أكثر عدوانًا من أطفال الطبقة المتوسطة؛ لأن الذكور الذين يقومون بدور النموذج بالنسبة للطفل في الطبقات الدنيا، يكونون أكثر عدوانًا، وخاصة في استخدام للسلوك العضلي والقوة الجسدية في ممارسة العدوان أو في قمعه.

التدليل الزائد عن الحد لدرجة التشجيع على الخطأ:

وكما أن المبالغة في العقاب تكون في أكثر الأحيان سببًا في العدوانية؛ فإنه على النقيض أيضًا المبالغة في التدليل تكون سببًا في بعض الأحيان في عدوانية الطفل.

ونعني بالمبالغة في التدليل: أن نُشجِّع الطفل على تحقيق معظم رغباته كما يريد هو، وعدم توجيهه وعدم كفه عن ممارسة بعض السلوكيات غير مقبولة، سواء أكانت دينية أو خلقية أو اجتماعية والتساهل معه في ذلك.

فعندما تصطحب الأم الطفل معها مثلاً إلى منزل الجيران أو الأقارب، ويُخرِّب الطفل أشياء الآخرين ويكسرها، لا توبخه أو تزجره؛ بل تضحك له وتحميه من ضرر الآخرين، كذلك الحال عندما يشتم أو يتعارك مع أحد الأطفال، تحميه ولا توبخه على ذلك السلوك؛ بل توافقه عليه.

وقد يتجه الوالدان أو أحدهما إلى اتباع هذا الأسلوب مع الطفل؛ إمَّا لأنه طفلهما الوحيد، أو لأنه ولد بين أكثر من بنت أو العكس، أو لأن الأب قاسٍ فتشعر الأم تجاه الطفل بالعطف الزائد فتدلـله، وتحاول أن تعوضه عما فقده؛ أو لأن الأم أو الأب تربيا بنفس الطريقة؛ فيُطبِّقان ذلك على أبنائهما.

ولاشك أن لتلك المعاملة مع الطفل آثار على شخصيته، ودائمًا خير الأمور الوسط، لا إفراط ولا تفريط, وكما يقولون: الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده, فمن نتائج تلك المعاملة أن الطفل ينشأ لا يعتمد على نفسه، غير قادر على تحمل المسئولية، بحاجة لمساندة الآخرين ومعونتهم، كما يتعوَّد الطفل على أن يأخذ دائمًا ولا يُعطي، وأن على الآخرين أن يلبوا طلباته، وإن لم يفعلوا ذلك يغضب، ويعتقد أنهم أعداء له، ويكون شديد الحساسية وكثير البكاء، وعندما يكبر تحدث له مشاكل عدم التكيف مع البيئة الخارجية "المجتمع"؛ فينشأ وهو يريد أن يلبي له الجميع مطالبه، ويثور ويغضب عندما يُنتقد على سلوك ما، ويعتقد الكمال في كل تصرفاته، وأنه منزه عن الخطأ.

وبالتالي فهو يُوجِّه سلوكياته العدوانية لكل من يعارضه أو يُفكِّر أن يخالفه أو يرد له طلبًا، حتى ولو كان هذا الشخص هو أباه أو أمه.

ورقة عمل:

ـ لا يكن العقاب البدني أول ما يلجأ إليه الآباء في تصحيح سلوكيات أطفالهم، فيجب أن يكون هناك تدرج في معاقبة الطفل، فهناك الحرمان من الامتيازات وغيره من العقوبات.

المصادر:

·            تربية الطفل النفسية في الإسلام, سيما راتب عدنان.

·            علم نفس الطفولة ومشكلاتها, د.أحلام حسن محمود ود.أحمد شعبان محمد.

·            التهذيب الإيجابي من الألف إلى الياء, جان نيلسن وآخرون.





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق