إن العشر الأواخر لهو موسم عظيم، لكي يستقي الزوجان لأنفسهما غذاءًا صحيًا، تصلح به الروح، ففي هذه العشر نفحات في كل شيء، وليلة خير من ألف شهر، وخطأ عظيم حينما يظن بعض الأزواج أن العشر الأواخر هي إعداد للعيد وملابسه ومأكولاته الشهية، لذلك لابد أن يكون هذه العشر سبيلًا لتحقيق الصحة الروحية لدى الأزواج.
أولًا: الصحة الروحية:
إن غذاء الروح يختلف تمامًا عن غذاء الجسد، فالروح إنما تسعد بطاعة باريها وخالقها، بصلاة التهجد، بختم كتاب الله، بتسبيحة للمولى عز وجل، فما أجمل أن يكون رمضان هو شهر تجديد الزوجين علاقتهما من خلال طاعة الله تبارك وتعالى.
والغذاء الروحي الصحي له عدة صور:
1.ركعتان تحييان بها ليلكما:
(فهنيئًا لكل زوج وزوجة قاما في ليلة مليئة بالسكينة والطمأنينة، ليرفعا أكف الضراعة إلى الله، ويسيلا دموع الأسى والحرقة على ما فات فكتبهما الله تعالى من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات: يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعًا؛ كتبا في الذاكرين والذاكرات) [صححه الألباني في مشكاة المصابيح، (1238)].
هذه هي المشاركة الإيمانية التي تطهر الروح، وتسمو بالنفس) [حتى يبقى الحب، د/ محمد محمد بدري، ص(638)].
وما أجمل الصورة التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم للزوجين (المتعاونين على الطاعة، المتكافلين في تبادل الخير، الداخلين في رحمة الله، وذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت فصلت, وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) [صححه الألباني في صحيح الجامع، (3494)][شخصية المرأة المسلمة، د/ محمد علي الهاشمي، ص(194)].
2. حتى يغيروا ما بأنفسم:
إن رمضان هو شهر التغيير، تغيير في العادات السيئة، وتغيير في الأخلاق الذميمة، وتغيير في طباع النفس البشرية، (فهل تريد أن تقوِّ طباع شريك حياتك، وتهذب خلقه، وتهديه سواء السبيل؟! إذا كان الأمر كذلك، فهذه أريحية تُشكر عليها، ولكن لم لا تبدأ بنفسك أولًا؟ ألست ترى أن الاهتمام بالنفس أولى من الاهتمام بالغير؟!، فإذا بدأت هذه المحاولة مع الذات، فأنت شخص تستحق التقدير) [كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي، ص(26)، بتصرف].
وأعظم فرصة لكي تتغير أيها الزوج هو شهر رمضان وخاصة العشر الأواخر، وأنتِ أيتها الزوجة فرصتك رائعة لتتغيري في شهر القرآن، فلمَ لا يجلس الزوجان مع بعضهما ويضعان معًا أهدافهما المشتركة في التغيير، بل ويمكن أن يعين كل منهم الآخر، خذا هذا المثال:
الزوج، يريد أن يغير من طبعه فهو سريع الغضب.
الزوجة، تريد أن تغير من طبعها وهي عدم اللوم الكثير.
من الممكن جدًا أن يجلس الزوجان مع بعضهما ويضعان معًا رؤية مشتركة، حول التغيير اللذان يريدان أن يصلا إليه معًا ومن ثم يعينان بعضهما على بذل أقصى جهد من أجل التغيير المطلوب، فعندما يهم الزوج بالغضب، تذكره حبيبته بأنه قد أخذ على نفسه العهد بأن يتغير في هذا الجانب، وإذا قامت الزوجة بلوم زوجها على شيء يقوم الزوج بتذكرة زوجته بأنها قد عاهدت الرحمن على تغيير هذا الجانب في نفسها.
3. قرآن يبني الأسرة:
يشتكي في الغالب الزوجان من عدم تمكنهم من ختم القرآن الكريم خلال الشهر الفضيل، فالزوجة مشغولة في النهار في إعداد الطعام، وفي المساء في استقبال الضيوف أو شغل آخر يشغلها، وكذلك الأبناء ففي المدرسة نهارًا شغلًا كافيًا، وفي المساء تبتلع برامج الأطفال التلفزيونية غالب وقتهم، وإن فضل وقت لهم فللدراسة، أما الزوج فبين العمل وزيارة الأصحاب، وللأسف هذا هو حال كثير من الأسر وكل عام تجدها تعد بأنها ستتغير ولكن للأسف ليس ثمة نتيجة تذكر!
إن قراءة القرآن وتدبره لهي من آكد الأمور التي يجب مراعتها في شهر رمضان عامة والعشر الأواخر خاصة، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] (أي: فهلا يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله، ويتأملونه حق التأمل، فإنهم لو تدبروه، لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب، وبأي شيء تحذر، ولعرفهم بربهم، وأسمائه وصفاته وإحسانه، ولشوقهم إلى الثواب الجزيل، ورهبهم من العقاب الوبيل.
{أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} أي: قد أغلق على ما فيها من الشر وأقفلت، فلا يدخلها خير أبدا؟ هذا هو الواقع) [تفسير السعدي، (1/788)].
4. صلة الأرحام:
فرمضان والعشر الأواخر فرصة عظيمة لكي يتواصل الأزواج مع الأقارب وأهالي كل منهما، فهناك صلات مقطوعة منذ زمن، رمضان فرصة لإعادة اتصالها مرة أخرى، وأوكد هذه الصلات هي بر الوالدين، فانظروا أيها الأزواج إلى هذا الحديث العظيم (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) [ متفق عليه].
فالحديث يدل على أن صلة الرحم سبب في توسيع الرزق وزيادته وكثرة طرق الخير وأبوابه، وزيادة في العمر وطول الأجل، ومن أوكد وألزم صلة الرحم بر الوالدين، فبرهما سبب لبسط الرزق وزيادته، وطول العمر وامتداده، وعقوقهما سبب لقلة الرزق وضيق المعيشة.
وعن عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد) [صححه الألباني في صحيح الجامع، (3506].
وقال ابن عباس : (إني لا أعلم عملاً أقرب إلى الله من بر الوالدة ) [صححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، (4)].
فانظر كيف حث الشارع على احترام الوالدين وبرهما فلم يؤذن لذلك الرجل بالهجرة حتى يضحكهما وهذا والله من كمال هذا الدين الحنيف، دين الإسلام العظيم، ومن رحمة سيد الخلق بالآباء والأمهات، وأكثر ما يحتاج الوالدين إلى الأبناء عند كبرهما وطعنهما في السن، فيحتاجان من أبنائهما البر، بل أشد البر، وأوفى الكيل، وأعطف الحال، وأطيب الكلام) [حق الوالدين على الأبناء، يحيى بن موسى الزهراني، ص(6)].
5. وللصدقة نصيب:
إن حرص الزوجين على الصدقة في العشر الأواخر خاصة وأن العيد مقبل، والفقراء يحتاجون إلى كل دعم من إخوانهم، من الأمور البالغة في الأهمية، فعن عن عائشة رضي الله عنها تقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا) [رواه البخاري ومسلم].
وما أجمل هذه القصة العظيمة، التي تدل على أهمية التعاون بين الزوجين على الصدقة، (فعندما سمع أبو الدحداح الأنصاري رضي الله عنه قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245].
فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: آلله يستقرضنا؟ فيرد المربي العظيم صلى الله عليه وسلم: (نعم يا أبا الدحداح) فيقول رضي الله عنه: أرني يدك يا رسول الله فإني قد أقرضت ربي حائطي، وحائطه ذلك يومئذ من أجمل بساتين المدينة، وأحب ماله إلى قلبه، فيذهب إلى حائطه وينادي على زوجه أن اخرجي يا أم الدحداح، فقد أقرضت ربي حائطي، فتعمد الزوجة الصالحة رضي الله عنها إلى صبيانها، تخرج ما في أفواههم، وتنقض ما في أكمامها من ثمر البستان، تربيهم بدورها على نور (سمعنا وأطعنا) بفعلها قبل قولها، وهي ترد على زوجها: ربح البيع أبا الدحداح، ربح البيع أبا الدحداح، وهنا تأتي الجائزة النبوية لهذه الأسرة الكريمة، فيبشرهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم بقوله: (كم غذق رداح في الجنة لأبي الدحداح) [تفسير الطبري، (5/285)، تفسير ابن كثير (8/14-15)، نقلًا عن حياة النور، فريد مناع، ص(39-40)].
فادعوا الله:
إن الغذاء الصحي الذي يصلح بال الروح، يحتاج إلى بذل من قبل الزوجين في الدعاء لله تبارك وتعالى، لأن يستجيب لهم، فالاجتهاد في الدعاء والإلحاح في ذلك مطلوب، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60].
(فهذا من لطفه بعباده، ونعمته العظيمة، حيث دعاهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأمرهم بدعائه، دعاء العبادة، ودعاء المسألة، ووعدهم أن يستجيب لهم، وتوعد من استكبر عنها فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } أي: ذليلين حقيرين، يجتمع عليهم العذاب والإهانة، جزاء على استكبارهم) [تفسير السعدي، (1/740)].
المصادر:
· تفسير السعدي.
· حق الوالدين على الأبناء، يحيى بن موسى الزهراني.
· كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي.
· تفسير الطبري.
· تفسير ابن كثير.
· حتى يبقى الحب، د. محمد محمد بدري.
· شخصية المرأة المسلمة، د/ محمد علي الهاشمي.