إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاثنين 30-جمادى الثانية-1433

جسر من حرير
الخميس 02 فبراير 2012

محمد السيد عبد الرازق

كان شابًّا طموحًا دائم التطلع إلى الأفق البعيد، لا تكف أفكاره عن تخطي حواجز الزمن والعبور إلى المستقبل، كالنحل في خليته، صاحب عمل دءوب، من ينظر إلى بريق عينه يستلهم منهما صورة مستقبله المشرق، وأما أهله فالسعادة تغمرهم وهم يرقبون النجاح تلو النجاح، يغبطهم القريب والبعيد على مثل هذا الابن الناجح الذي علقت عليه أسرته الآمال.

وشاء الله تعالى أن يفيق الشاب على الحقيقة التي غابت عنه طويلاً، ولم يكن يستحضر من معانيها إلا النذر اليسير: أن مآله إلى موت، وبعد الموت نشور وحشر ثم حساب وجزاء، ثم إلى جنة أو نار، فاستجمع الفتى همته، وسلك درب الحياة بقوة الجواد المضمر، وطفق يلبي نداء الجنان.

وأما الأهل فقد اكتفوا برصد الواقع الجديد، ولكن مهلاً... ما للشاب قد بدا سائر أيامه متجهمًا عابسًا، لا يعبأ بمظهره كسابق عهده؟! لماذا انحسرت اهتماماته الدراسية وصارت تتراجع شيئًا فشيئًا، فغـدت لا تحتل مكانة في حياته؟!

يصيح الأهل متسائلين: ماذا حدث؟! ما الذي غيَّرك؟! أين الطموحات؟! أين الآمال؟! فيجيب بكلمات كأنها خرجت من بئر سحيق: إنها دنيا زائلة فانية... ما الذي يسر فيها؟! لماذا أعمرها وأترك إعمار دار البقاء؟! لقد اخترت ما يبقى على ما يفنى.

وبلغ الفتى حدًّا أثار جزعهم، فصار يعرض عما لذ وطاب من الطعام حتى يُهذِّب نفسه ويقمع شهوته، ويلزم نفسه بطول السهر حتى يروضها، فتحطمت آمال أسرته، ودب الهم والحزن في الأجواء حتى تكدرت حياتهم، فأشاروا بأصابع الاتهام إلى المسئول الأول والأوحد عن ذلك الانحدار، إنه (الالتزام).

كانت هذه صورة لحالات التخبط والخلل في الرؤى والتصورات والمفاهيم، التي تعتري بعض الشباب بعد استيقاظ فطرتهم، وولادة رغبتهم في سلوك درب الاستقامة.

هذه السلوكيات المتمخضة عن المفاهيم المغلوطة هي ما يعكر صفو الأجواء الأسرية، ويكون له رد فعل يختلف من أسرة إلى أخرى، ويتراوح ما بين الإغراق في الهموم والأحزان، وبين محاولات انتشال فلذة الكبد من براثن الأفكار (الغازية) التي داهمته.

إن هيمنة توهم التعارض بين الدنيا والآخرة، واعتبارهما طريقين متضادين يتحتم اختيار أحدهما، لهو ضرب من ضروب تشوه المفاهيم.

عوامل ساهمت في خلل المفاهيم:

وهناك عدة عوامل أسهمت في تكوين ذلك الخلل المفاهيمي منها:

1ـ الفهم المغلوط لنصوص الوحيين التي تحتوي على ذم للدنيا؛ كقوله تعالى:  {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: ٣٩]، وقوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: ١٨٥]، فظن البعض أن القرآن يذم الدنيا مجردة.

ولكن بجمع أطراف النصوص وضم بعضها إلى بعض، وباستقراء سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار، ندرك أن القرآن يذم الدنيا مقارنة بالآخرة ونعيمها، ويذم الاغترار بالدنيا والركون إليها والرضا بها ومحبة الحرام منها، وذمها كذلك لتنبيه الغافلين.

يقول د.محمد العبدة: (وكذلك عندما يذم القرآن الشهوات، فليس المراد إبطالها بالكلية، وإنما تصريفها بما أباحه الشرع، وأما قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} [آل عمران: ١٤]، فهذا تذكير بما هو خير منها، لا لبيان قبحها في نفسها) [الدين والدنيا، ضمن سلسلة دروب النهضة، د.محمد العبدة، ص(7)].

2ـ ضعف الارتباط بجيل الصحابة، والذي يمثل قمة التوازن والاعتدال والوسطية، والعدول إلى العصور التي برزت فيها بعض النماذج المتكلفة، حتى أنه قد يتبادر إلى أذهان البعض عند إطلاق مصطلحات السلف أو أهل السنة أنهم الأجيال المتأخرة عن الجيل الأول.

هذه النماذج قد زهَّدت الناس إلى حد ما في الجيل الأول، كيف لا، وهم يسمعون قصصًا لم يعهدوا مثلها في جيل الصحابة؟! كمن كان يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى يصفر جسمه!

أو يصلي في شدة البرد على السطح حتى لا يغلبه النعاس، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هديه: (أصلي وأنام) [رواه مسلم].

أو يمتنع عن الزواج لبلوغ منازل الصديقين، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأتزوج النساء) [رواه مسلم]!

فهؤلاء وإن كانوا أهل فضل وورع إلا أن الصحابة كانوا أفضل منهم؛ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (أنتم أكثر صومًا وصلاةً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا خيرًا منكم)، قالوا: لم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: (لأنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة) [المعجم الكبير، الطبراني، (8681)].

هذه المقالة لابن مسعود رضي الله عنه لا تفيد أفضلية الصحابة على غيرهم فحسب، إنما هي توضيح لمعنى الزهد في الدنيا؛ حيث إن الصحابة كان منهم الأغنياء ومن يشتغلون بالتجارة، ومن كان معروفًا بالمزاح، ومن يتعلم اللغات.

وأما النماذج التي ذكرناها فما ظهرت قبل القرن الثاني الهجري، وربما كان ظهورها ردة فعل لإقبال الناس على الدنيا والركون إليها؛ فتكون اتجاهًا مضادًّا.

3ـ قد لا يكون هذا السلوك مبنيًّا على خلل مفاهيمي، ولكن ينبني على خلل بنيوي في الصفات الشخصية، فمثلاً ـ قد يكون الشاب قبل التزامه خامل الهمة كسولاً، يميل إلى الدعة والراحة، وبالتالي يكون ضعيف الإنتاج في حياته العملية من دراسة أو عمل.

فعندما يتجه نحو الالتزام ترافقه تلك الصفات فيكون أحد الرجلين، إما أن تتغير صفاته إلى الأفضل ويصير إيجابيًّا فاعلاً، وذلك سبب ومؤشر لصحة وقوة التزامه بكل ما تحمله كلمة الالتزام من معاني الشمول والتوازن والاعتدال والإيجابية.

وإما أن يفتقد التزامه هذه المعاني فيبقى على حاله الأول، فحينئذٍ يبرر لذاته وللآخرين فشله وبطالته وسلبيته بذلك الالتزام.

وقد يجد بغيته في الهروب من مواجهة الواقع المشحون الذي يؤثر الهرب منه على إصلاحه، كما هو الحال عند من يترك الجامعة بحجة الاختلاط؛ لأنه يضعف ويجبن عن التحرك الإيجابي والدعوة إلى الله في هذا الوسط الجامعي.

(فهو بحكم تكوينه النفسي يفشل في الخروج إلى المجتمع ليعبر عن حماسه الديني، فينصرف عن الدنيا، ويتفادى العلاقات الاجتماعية والنشاط التعويضي، ويُعتبر هذا نوعًا من الهرب من الواقع، وتعويضًا خياليًّا عن الضعف والخوف) [المراهقون وأساليب معاملتهم، د.كاميليا عبد الفتاح، ص(84)].

4ـ بعض المحاضن التربوية والتي تسلك مع المتربي مسلكًا غير متوازن بين التجرد الروحي والارتكاس المادي، والانهماك في تعلية البناء الروحي ـ وإن كان أساسًا في التربية ـ دون الالتفات إلى جوانب التربية الأخرى، بالإضافة إلى إهمال وضع المواعظ في موضعها المناسب والوقت المناسب، والتوجيه إلى كيفية الجمع بين الدنيا والآخرة.

وهذه المفاهيم المغلوطة هي التي أقعدت الأمة عن ركب الحضارة والرقي والنهضة، وأخرجتها من ميدان السباق الحضاري، وبعد أن تركنا الدنيا للغرب جعل منها سلاحًا يواجه به ديننا.

وهذه المفاهيم هي التي أنجبت تلك النفوس المهترئة والأرواح الهزيلة، والهمم السافلة، التي رضيت بالخنوع والاستسلام، وقبعت خلف أسوار ذاتها تنظر إلى الأحداث العظام في بلادة وخمول، وهذا مجال يطول الحديث عنه ليس هذا مقامه.

وأما أثر هذه المفاهيم المغلوطة على الشاب كفرد فحدث ولا حرج، يكفي أنها تغرقه في لجج الحيرة بين إلحاح الفطرة ومقتضى القناعات، فيرى الدربين متضادين وعليه أن يسلكهما معًا، فكيف مع هذا التضاد؟

وفي الغالب يكون مآل مَن هذا حاله إلى النكوص والتراجع؛ لأنه ضيق على نفسه الخناق، وحرم نفسه من سعة الإسلام.

إن الشاب الذي يقتحم دائرة الغلو والانقطاع عن الدنيا يُقوي من ثقته بحاله فورة الإيمان الأولى، ولكن المسكين لا يفقه أن الإيمان يزيد وينقص، والفتور طبيعة وجِبِلَّة؛ فعندما يعتريه يبدأ في التفكير في نداء فطرته، إنه يحتاج إلى الزواج، والزواج يحتاج إلى مادة، وتلك تحصل بالكد والعمل الذي يسرقه من ذلك الجو الإيماني.

وحتى إن توافرت الإمكانيات المادية فالمجتمع يطالبه بوضع اجتماعي معين حتى يسمح له بالاندماج والانخراط فيه، فربما يظل الشاب لمدة سنوات تضيع من عمره في ذلك الصراع.

وفي الغالب وبعد فوات أزهى سنوات العطاء، يقرر الشاب أخيرًا الدخول في معترك الحياة، ويستحضر ساعتها كل النصوص التي تحث على العمل والكسب والزواج والتوسط والاعتدال، وأن ذلك أمر محمود شرعًا.

ولأن الفتى قد تربى في مناخ القبو ولم يعتد خوض المعارك، ودأب على دفن رأسه في الرمال حال المواجهات، وبالتالي لم يعرف للتوازن شكلاً؛ فمآله في الغالب إلى التراجع تحت ضغط الواقع، ويكون التزامه مجرد مرحلة مر بها قد يتذكرها أحيانًا.

ولا يخفى على كل ذي لب آثار هذه المفاهيم المغلوطة التي ذكرناها، وما يتمخض عنها من سلوكيات على طبيعة العلاقات الأسرية.

فهذا كله هو الجسر من الحرير الذي نتحدث عنه....

المصادر:

·          المراهقون وأساليب معاملتهم، د.كاميليا عبد الفتاح.

·          الدين والدنيا، ضمن سلسلة دروب النهضة، د.محمد العبدة.

·          المعجم الكبير، الطبراني.





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق