أم عبد الرحمن يوسف
هل تعرفين ما هي وظيفة الأنبياء عليهم السلام؟
إن كانت الوظائف الأخرى تحتاج إلى وساطة فهذه الوظيفة لا تحتاج غير الشهادتين.
وإن كان أصحاب الوظائف الأخرى لهم مكانة اجتماعية مرموقة، فأصحاب هذه الوظيفة هم شامة على جبين التاريخ.
قد تستمر الوظائف الأخرى لمدة 8 ساعات يوميًّا، ولكن هذه الوظيفة مدتها 24 ساعة على مدار اليوم.
قد يأخذ أصحاب الوظائف الأخرى إجازة يوم الجمعة، ولكن الجمعة بالنسبة لأصحاب هذه الوظيفة سوق هام جدًّا.
إنها وظيفة الأنبياء، إنها الدعوة إلى الله، إنها أحسن القول كما عدها رب البرية جل وعلا في قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
ولاشك أن العمل لدين الله تبارك وتعالى له مسوغات ودوافع، فلماذا إذًا تعمل فتاة الإسلام لدين الله تعالى؟
إن الإجابة على هذا السؤال تستلزم منا التجول في رحلة إيمانية على أسباب ودوافع العمل لهذا الدين، كي تزداد لدينا الدافعية، ويرتفع عندنا ديننا مكانته.
شارة الانتماء:
إن مما لاشك فيه أن الانتماء لدين الله تعالى شرف لا يضاهيه شرف، ومنقبة لا يدانيها شيء، ولِمَ لا والله تعالى لا يقبل من أحد دينًا غير الإسلام يوم القيامة، فهو دين أعظم الكتب، وخير الشرائع، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وأفضل الأمم.
ومما زادني شرفًا وتيهًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبـيا
فهذا الدين قد أفادك كل الألفاظ، وأعطاك من حنانه كل الوداد، فبفضله صرت مسلمة، وبنوره الآن تعيشين وتتنعمين، وبمنهجه تعلو هامتك فوق ثرى من حُرموا من نعمة الإسلام، وعليكِ الآن دَيْن تجاه هذا الدِين، فأنت من أبنائه، وأبسط حقوق البر أن تنصري أباك، فهذا الانتماء له ثمنه، يدًا بيد، إنه العطاء لهذا الدين، فكما أن لنعمة المال زكاة، فلنعمة الهداية أيضًا زكاة هي الدعوة إلى هذه الهداية، وكما قيل أن الحر هو (من راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة) [العوائق، محمد أحمد الراشد، ص(8)].
(إن حمل قضية الإسلام منهج حياة كل فارس من فرسان الإسلام، فَهِمَ أن انتماءه لهذا الدين ليس حبرًا على ورق، وليس كلمة تُكتب في خانة الديانة في بطاقة الهوية الشخصية، وإنما أن يكون شعاره في الحياة تلك الكلمات الصدِّيقية المباركة: إنه قد انقطع الوحي، وتم الدين؛ أينقص وأنا حي؟! [جامع الأصول من أحاديث الرسول، ابن الأثير، (8/6426)]) [لو أن له رجالًا، فريد مناع، ص(63)].
يحبون الخلق ويرحمون الخلق:
هذا هو خلق أصحاب الهدى والملتزمين بدين الله تعالى، فقد منَّ الله عليهم بمعرفة الحق والتزامه، وهم مع ذلك حينما يرون العصاة والمقصرين فإنهم لا يتكبرون عليهم، بل إنهم يشفقون عليهم، لأنهم تركوا زمام نفوسهم للهوى وللشيطان، ولم يملكوا من أمرهم شيئًا، فيسعون لا لبسط ألسنتهم بالسوء بل لبذل النصح والإرشاد في مودة وشفقة، فشعارها شعار ذلك الداعية الهمام من سلف أمتنا حين قال: (وددت أن جسدي قرض بالمقاريض، وأن هذا الخلق أطاعوه) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (3/440)].
ولِمَ لا وقدوتنا الأولى، نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم قد بلغ به إشفاقه على الناس مبلغًا عظيمًا، حتى جاءته الآيات من الله تعالى تواسيه: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]، أي: (مهلك نفسك بحزنك عليهم) [تفسير ابن كثير، (5/137)].
وانظري إلى عمر بن عبد العزيز وحرصه على هداية الناس ولو على حساب قوته: (كتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن الناس قد كثروا في الإسلام وخفت أن يقل الخراج؟ فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: فهمت كتابك، والله لو وددت أن الناس كلهم أسلموا، حتى نكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا) [حلية الأولياء، أبو نعيم، (2/407)].
طوق النجاة:
هل أتاكِ نبأ أصحاب السبت، الذين حرَّم الله تعالى عليهم الصيد يوم السبت، فهو يوم عبادة لهم، وكان الاختبار لهم بأن السمك كان يتراءى أمامهم على الماء يوم السبت، وفي سائر الأيام لم يكن كذلك، فاحتالوا على هذا الأمر بأن حفروا الحفر ونصبوا الشباك، فإن وقع فيها السمك تركوه للغد وأخذوه تحايلًا منهم على الشرع.
{وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 164-165].
(وانقسموا ثلاث فرق: معظمهم اعتدوا وتجرءوا، وأعلنوا بذلك.
وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم.
وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} كأنهم يقولون: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم الله، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لابد أن يعاقبهم الله، إما بهلاك أو عذاب شديد.
فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} أي: لنعذر فيهم، {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما نجع فيهم الوعظ، وأثر فيهم اللوم.
وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي.
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} أي: تركوا ما ذكروا به، واستمروا على غيهم واعتدائهم، {أَنْجَيْنَا} من العذاب {الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} وهكذا سنة الله في عباده، أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا} وهم الذين اعتدوا في السبت {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} أي: شديد {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}.
وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} فاختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، والظاهر أنهم كانوا من الناجين، لأن الله خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون.
فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} فأبدوا من غضبهم عليهم، ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم، وأن الله سيعاقبهم أشد العقوبة) [تفسير السعدي، ص(286-287)].
لا يستوون:
هل تستوي الفتاة التي لا تنفع إلا نفسها والتي يعم نفعها على الجميع رغبة في الخير وعملًا؟! بالطبع لا تستوي هذه وتلك، فتلك حقيقة أقرها كتاب الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95].
وإليكِ هذه القصة الطريفة البليغة، بين ديك ودجاجة، تبين الفارق بين من اقتصر نفعها على نفسها، ومن نشرت الخير على كل من أحاط بها:
(الدجاجة: كف عن صياحك أيها الديك، فإن صوتك قبيح.
الديك: ويحك! صوتي هو الذي يوقظ النائمين، ويؤنس العباد والقائمين، ويبعث الروح في الكسالى والخاملين، فكيف يكون قبيحًا؟!
الدجاجة: كفاك فخرًا بنفسك فلي صوت كصوتك.
الديك: وهل يقظة كغفلة؟ في الأسحار أصيح وأنت في الأحلام، وأهتف والناس نيام، ويكفيني فخرًا أن خير الأنام صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوتي وثب.
الدجاجة: لكن قومًا أزعجهم صوتك فانهالوا عليك بالشتم والسباب.
الديك: أموات غير أحياء، أما سمعوا أمر الرسول r: (لا تسبُّوا الديك؛ فإنه يوقظ للصلاة؟) [صححه الألباني].
الدجاجة: فما بال طلب الناس علي أكثر؟
الديك: تخدمين دنياهم فيكافئونك بالذبح، وأخدم آخرتهم فيكرمونني بالمدح، وعند مس النار يبين الفرق) [صفقات رابحة، د.خالد أبو شادي، ص(163)].
حياتي كلها لله:
كما قلنا في البداية، أن وظيفة الدعوة إلى الله دوامها في اليوم 24 ساعة، فكيف بكِ أن تكون حياتكِ كلها دعوة إلى دين الله تعالى! فوقتكِ في الجامعة دعوة، ودراستكِ مع زميلاتكِ دعوة، وبرك بأبويكِ دعوة، ونصحكِ لإخوتكِ دعوة، وفي صلاتكِ دعوة بالقدوة للناس ودعاء لزميلاتكِ بالهداية، فصارت حياتكِ كلها لله، كما قال المولى جل وعلا: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].
(إنه التجرد الكامل لله، بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة، وبالصلاة والاعتكاف، وبالمحيا والممات، بالشعائر التعبدية، وبالحياة الواقعية، وبالممات وما وراءه، إنها تسبيحة التوحيد المطلق، والعبودية الكاملة، تجمع الصلاة والاعتكاف والمحيا والممات، وتخلصها لله وحده) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (3/182)].
فما هذا الخير الوفير؟! أن تجعل الواحدة منها حياة وقفًا لله تعالى، تغتنم كل فرصة وكل سانحة لنشر دين الله وتحبيب الخلق في دينهم، (إن أي منتسب إلى حياة النور يدَّعي أنه يعيش لله، ولم يضرب له بسهم في ساحة البذل لدين الله تعالى، إنما هو كاذب في دعواه تلك، بلا أدنى ريب أو شك، فكيف يعيش لله من يأكل ملء بطنه، وينام ملء جفنيه، ثم هو لا يحرك ساكنًا إن انتقصت أطراف الإسلام، أو انتهكت محارم رب العالمين؟! وكيف يعيش لله من ينفق أغلب وقته ساعيًا في تحقيق أمانيه وأحلامه الدنيوية، بينما نصرة الدين لا تحتل أدنى مساحة في خارطة اهتماماته؟!) [لو أن له رجالًا، فريد مناع، ص(75)].
على دربها فسيري:
فهذا بيان مني أيتها العزيزة لمسوغات العمل لدين الله تعالى، ومبررات بذل المجهود والأوقات، فإن جاء منكِ السؤال: ماذا أفعل؟ وكيف أقدم العطاء لهذا الدين؟
فسيأتيكِ الجواب لا مني، بل من هذه النماذج الطيبة، التي لا أقول بذلت كثير مجهود، إلا أن دين الله تعالى كان يشغل بالها، فكافأها الله بهداية الناس على يديها.
داعية على فراش المرض:
(امرأة فاضلة وداعية موفقة أُدخلت المستشفى، ورغم ما لها من وجاهة ونسب إلا أنها رفضت أن تكون في غرفة مستقلة، وقالت: أبقى مع المريضات في غرفة مشتركة حتى أدعوهن، وكان لها ذلك.
فتوطدت علاقتها بالمريضات، ودعتهن إلى الأخذ بالأسباب والتوكل على الله عز وجل، وأوضحت لهن في أيام ما لا يستطيع غيرها في شهور لقرب المكان، وكثرة الفراغ) [كيف أخدم الإسلام، عبد الملك القاسم، (23)].
هل بذلت كبير مجهود أو وقت؟!
كلا، إنما كان يشغلها الإسلام، لدرجة أن تذكرته وهي مريضة فشغل بالها.
وهذا ما نريده من فتاة الإسلام.
نعم هي تدرس، وتأكل وتشرب وتنام، وتعيش حياة طبيعية، ولكن يشغل بالها الإسلام، تفكر في كل فرصة دومًا ... ديني الإسلام، كيف أخدمه؟
أهم المراجع:
1-لو أن له رجالًا، فريد مناع.
2-إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي.
3-تفسير ابن كثير.
4-حلية الأولياء، أبو نعيم.
5-تفسير السعدي.
6-صفقات رابحة، د.خالد أبو شادي.
7-في ظلال القرآن، سيد قطب.
8-حياة النور، فريد مناع.
9-المرأة الداعية معالم وعقبات ومحاذير، محمد موسى الشريف.