من مواقف قريش المضادة للدعوة الإسلامية في مكة
الخميس 13 شوال 1425هـ - 25نوفمبر 2004 م

مفكرة الإسلام : تحتاج الأمة، وهي تتلمس طريقها نحو النهضة إلى ما يسمى:' بالحس التاريخي' تعي فيه ذاتها وتحقق أصالتها، وأي أمة خلت من هذا الحس التاريخي؛ هي أمة تابعة مقلدة لاهثة، لا تعي ذاتها وبالتالي لا تملك ذاتها، ومصيرها يكون إلى زوال.


 


ودراسة الدعوة الإسلامية في مراحلها الأولى طريق إلى إيجاد الحس التاريخي في هذه الأمة، وإنعاشه وبلورته إلى عمل فعّال في استثارة كوامن الطاقات الإسلامية وتجميعها وتوجيهها نحو الخير والعطاء. وقد واجهت الدعوة الإسلامية من اللحظة الأولى لظهورها الوثنية وتزعمتها قريش، وبشكل خاص بعد أن اعتَنق الدعوة كثير من أهل الفضل منهم، ووقفوا في سبيلها بمختلف الوسائل، ومن هذه الوسائل:


 


1- اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بمختلف التهم ليبعدوا الناس عنه: فكانوا يقولون:'هذا أساطير الأولين', قال تعالى:{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا[5]}[سورة الفرقان]. ونعتوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالكاهن حيناً، والكاذب المفتري حيناً، والمتعلم المقتبس من غيره حيناً, وظلوا يكرّرون ذلك حتى آخر العهد المكي, قال تعالى:{وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ[4]}[سورة ص]. وقال سبحانه:{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا[4]}[سورة الفرقان]. ووصفوا القرآن بالسحر، قال تعالى:{...وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ[43]}[سورة سبأ].


 


2- اتبعوا أسلوب الحِجاج، فكانوا يحاجّون الرسول صلى الله عليه وسلم: وهو أسلوب أهل الكتاب،


ومن قوله سبحانه وتعالى يبيّن أسلوبهم في الحجاج:{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ[148]}[سورة الأنعام]. وقوله تعالى:{ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [24] وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[25]}[سورة الجاثية].


 


3- مطالبة الرسول بالمعجزات وتحدّيه: فقد طالبوه بالمعجزات والآيات برهاناً على صدق دعواه، قال سبحانه:{وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا[90]أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا[91]أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا[92]أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا[92]}[سورة الإسراء].


 


4- محاولة استمالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإقناعه بالعدول عن الدعوة: فقد عرض عليه زعماء قريش الملك والمال والنساء، أرسلوا إليه عتبة بن ربيعة سيد قومه، فذهب إليه وهو يصلي في المسجد فقال له: 'يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت، من خيارنا حسباً ونسباً، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها: إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا من الجن لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطبيب, وبذلنا فيه أحوالنا حتى نبرئك منه...'إلخ القصة.


 


فهكذا كان زعماء قريش يحاولون إقناع محمد صلى الله عليه وسلم بالعدول عن الدعوة، أو التنازل عن شيء منها مقابل تنازلهم عن أشياء، فكان قوله تعالى:{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ[9]}[سورة القلم]. فثبت الرسول أصحابه في الموقف الذي لا يحتمل مساومة، ولا تعدداً.


  


5- أسلوب التعذيب: لما رأى زعماء قريش إصرار الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتشار الإسلام؛ توجهوا إلى مقاومة الإسلام عن طريق تعذيب العبيد والضعفاء من المسلمين؛ ليعودوا إلى الشرك، وليحولوا دون إسلام المزيد، فكان من صور هذا التعذيب: أن يعرّى صدر المسلم، ويطرح فوق الرمال المتوهجة من شدة حرارة الشمس، ويوضع على أجسادهم الصخور الثقيلة، ويمنع عنهم الماء والطعام، وتقيّد أيديهم وأرجلهم بقيود الحديد، ويجلدون بالسياط جلدًا شديدًا، فزهقت أرواح بعضهم.


ومن بين الذين تعرضوا لمثل هذا العذاب: ياسر وزوجته سمية، وابنهما عمار، وبلال بن رباح, وخباب بن الأرت، فكان المشركون يخرجون ياسراً وزوٍجة وابنه إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء ويعذبونهم بحرّها، فيمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول: [صَبْرًا آَلَ يَاسِرٍ فَإنَّ مَوْعِدَكُمْ الجَنَّةُ] رواه الحاكم والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي في شعب الإيمان. وقد مات ياسر وهو يعذّب، وأما زوجه فقد طعنها أبو جهل بحربة فقتلها.


وقد ضرب المسلمون مثلاً خالدًا للتمسّك بالعقيدة، وتحمّل أنواع الأذى، والتضحية بالنفس، وكان بعضُ المسلمين الأغنياء -وخاصة أبا بكر- يشترون الأرقاء المضطهدين من مالكيهم، وينقذونهم.


 


ثم خطا المشركون خطوة أخرى في التعذيب: فأخذوا يعتدون على المسلمين جميعًا ودون تمييز حتى شمل الاعتداء ذوي الثراء والوجاهة والقوة: كأبي بكر، وعثمان، والزبير، وطلحة، وأبي عبيدة، وعثمان بن مظعون، فقد شدّ نوفل بن خويلد وكان يسمى [أسد قريش] أبا بكر وطلحة القرشيين بحبل واحد، فسميا القرينين, وعذب أبو أحيحة ابنه خالد بن سعيد بن العاص، فكان يضربه بقراعة في يده حتى يكسرها على رأسه، ثم يأمر بحبسه ويضيّق عليه، ويجيعه ويعطشه، حتى لقد مكث في حر ّمكة ثلاثاً ما ذاق ماءً.


 


ونتيجة لتعرض المسلمين جميعاً للعذاب أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة من بعثته.


 


6- تهديد الرسول صلى الله عليه وسلم بالكف عن دعواه، والعدوان عليه: حين باءت أساليب مقاومة كفار قريش بالفشل؛ لجأوا إلى عمه أبي طالب، وقال زعماؤهم: 'يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، فإما أن تكفّه عنا، وإما أن تخلّي بيننا وبينه'. فردّهم أبو طالب ردّاً جميلاً دون أن يتوقف صلى الله عليه وسلم عن نشاطه، أو يتهاون في الدعوة.


 


فعاودوا الكرة، وخاطبوا أبا طالب بلهجة المتوعد المهدد، وأنهم لن يصبروا على هذا الحال، وخيرّوه بين أن يمنعه عمّا يقول، أو ينازلوه وإياه حتى يهلك أحد الطرفين، فعظم الأمر على أبي طالب فكلّم محمداً صلى الله عليه وسلم بما جاء به إليه قومه وقال له:


 'يا ابن أخي، إن قومك جاءوني وقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق'. فكان ردّ المبلّغ الداعية إلى الحقّ الذي يحمل نفساً أبيّة لا تعرف الذل، ولا تنحني للوهن، ينظر إلى خصمه من علٍ؛ لأنه يستمد القوة من عزيز حكيم، ينظر إلى زخارف الدنيا وكأنها أوراق الخريف تتطاير في الهواء، ويحتقر أبهة المشرك وعظمته، يستعلي على الدنيا بإيمانه، فهو على الحق وان لقي العنت الشديد, قال صلى الله عليه وسلم: [مَا أَنَا بِأَقْدِرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ لَكُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنَ تُشْعِلُوا لِي مِنْهَا شُعْلَةً - يَعْنِي الشَّمْسَ- ] رواه أبويعلى وابن عساكر. فطمأنه أبو طالب ووعده الاستمرار في حمايته.


 


فعاد زعماء قريش إلى أبي طالب يعرضون عليه عمارة بن الوليد أوسم شباب قريش ليسلموه إليه على أن يسلمهم محمداً صلى الله عليه وسلم، فردهم ساخراً بقوله: 'بئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه!!'. فاتجه بعضهم إلى إنزال الأذى بالرسول صلى الله عليه وسلم  مباشرة، ومن الذين اشتدوا في إيذائه صلى الله عليه وسلم: أبو جهل، وأبو لهب عمه، وأم جميل زوجة أبي لهب، وعقبة بن أبي معيط، ولكنّ إسلام حمزة، ثم عمر بن الخطاب كفّ القرشيين عن بعض ما كانوا ينالون به الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى خوفاً منهما. وفي أثناء ذلك استمر القرآن الكريم يردّد مشاهد الشدة والعنف مع المشركين يندّد بهم، وينذرهم بسوء المصير، ويصبّر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ويعدهم بالنصر والتأييد، وحسن العاقبة.


 


7- أسلوب المقاطعة: إزداد حنق المشركين من قريش إزاء صبر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين على الأذى والتعذيب وإصرارهم في المضي بالدعوة، وإزاء فشو الإسلام في القبائل، فاجتمعوا وائتمروا، وقرروا مقاطعة المسلمين وبني هاشم دون أبي لهب، فلا يتزوجون منهم ولا يزوّجونهم، ولا يبيعون لهم شيئاً، ولا يشترون منهم، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، وعلقوا صحيفة المقاطعة بالكعبة. فاضطر بنو هاشم وبنو عبد المطلب إلى النزوح إلى شعب أبي طالب شرقي مكة، وقطعت عنهم قريش كل أنواع المؤن، ولم يكن يتاح لهم الاختلاط بغيرهم من الناس إلا في الأشهر الحرم حين يفد العرب إلى مكة لزيارة البيت الحرام, وبلغ بهم الجهد حدّاً لا يطاق، فذاقوا الجوع والحرمان حوالي ثلاث سنوات لا يصل إليهم القوت إلا خفية.


 


وأخيراً أخذت الحمية والرأفة نفراً من القرشيين منهم: هشام بن عمرو بن الحارث العامري, وزهير بن أمية بن المغيرة المخزومي, والمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف, وأبو البختري ابن هشام, والأسود بن عبد المطلب بن أسد, وتعاهدوا على نقض الصحيفة رغم اعتراض أبي جهل, وخرجوا إلى بني هاشم، وبني عبد المطلب، وطلبوا منهم العودة إلى منازلهم وشقوا الصحيفة، فوجدوا الأرض قد أكلتها إلا ما كان من: 'باسمك اللهم, وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش'.


 


8- القتل أو الحبس أو النفي:اجتمع مشركوا قريش في دار الندوة، فتشاوروا في أمر الدعوة الإسلامية، ففكروا في ثلاث وسائل، وهي: حبسه صلى الله عليه وسلم، أو اغتياله، أو نفيه، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ[30]}[سورة الأنفال]. واتفق رأيهم أخيراً على قتله شريطة اشتراك شبان من مختلف بيوتات قريش؛ حتى يتوزع دمه فلا يستطيع آله المطالبة بدمه.


 


 علم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فخرج من داره ليلاً بعد أن ترك عليًا ليقوم بتأدية الأمانات، وشق طريقه مع صاحبه أبي بكر- رضي الله عنه- إلى المدينة المنورة لتتشرف باستقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبدأ الدعوة مرحلة جديدة مليئة بالكفاح والنضال والجهاد.


 


من:'من مراحل الدعوة الإسلامية في مكة' للدكتور/ جميل عبد الله المصري


 


 


"جميع حقوق الطبع محفوظة لشركة مفكرة الإسلام 1434هـ-1434هـ"