
مفكرة الاسلام: هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، مجدد المائة الأولى على قول عامة أهل العلم، وصنو الراشدين والسائر على دربهم، أفضل من ولي الخلافة في بني أمية، وسيرته من العظمة بمكان يجعلنا نتحير في كيفية الترجمة لهذه الشخصية الفذة الفريدة والله المستعان.
وُلد سنة 61هـ بمصر، وقد نشأ في نعيم وترف في كنف أبويه، وشب على الثراء والجاه والعناية الفائقة بالملبس والمظهر، وقد لاحظ أبوه ذلك فعهد به إلى «صالح بن كيسان» ليتولى تأديبه وتعليمه، ثم انتقل بعد «صالح» إلى الفقيه الكبير «عبيد الله بن عبد الله» ثم أرسله أبوه إلى علماء المدينة لينهل من علومهم وآدابهم، فأظهر عمر بن عبد العزيز نبوغًا وتقدمًا على أقرانه.
بعد وفاة أبيه «عبد العزيز» أخذه عمه الخليفة «عبد الملك بن مروان» وضمه إلى أولاده وقدمه عليهم في كثير من المواقف وزوجه بابنته الأثيرة «فاطمة» وكانت امرأة صالحة عابدة، وعندما تولى «الوليد بن عبد الملك» الخلافة ولاه مكة والمدينة والطائف من سنة 86هـ، حتى سنة 93هـ، فكان خلالها من أحسن الولاة سيرة وعدلاً، قد جعل بطانته فقهاء المدينة العشرة لا يقطع أمرًا دونهم.
وعندما تولى «سليمان بن عبد الملك» الخلافة كان عمر بن عبد العزيز بمثابة الوزير المشير الذي لا يقطع سليمان أمرًا بدونه، وعندما شعر سليمان بدنو أجله لم يجد أفضل من عمر بن عبد العزيز ليوليه الخلافة فقدمه على إخوته وعهد إليه بالأمر، وأصبح عمر بن عبد العزيز خليفة المسلمين في صفر سنة 99هـ لتشهد حياة عمر بن عبد العزيز تغيرًا شاملاً يصل إلى حد الانقلاب الكامل، وإن كانت بوادر هذا التغيير قد بدأت منذ ولايته على المدينة بل قبل ذلك، ولكن التغير الشامل بدأ بعد الخلافة، إذ آلى على نفسه أن يسير في الناس بسيرة الراشدين، فاجتهد أولاً في رد المظالم حتى إلى غير المسلمين، وعمل على راحة الرعية والقيام بحقهم على أفضل ما يكون، وأقام منار العدل بين الناس حتى من أقرب المقربين، وصرف الأموال إلى مستحقيها، حتى كان مناديه في كل يوم ينادي أين الغارمون، أين الناكحون، أين المساكين، أين اليتامى، حتى أغنى كل هؤلاء.
كانت خلافة عمر بن عبد العزيز مضربًا للأمثال في كل شيء، وهو مع ذلك شديد الورع والخوف من الله، كثير البكاء من خشية الله، آية من آيات الزهد والتقشف، لا يلبس إلا ثوبًا واحدًا، وإذا غسله مكث في بيته حتى يجف، متحرزًا من أدنى شبهة، عفيفًا في كل شيء، محاسبًا لنفسه على النقير والقطمير، ولقد انعكست الحياة التعبدية النقية للخليفة عمر بن عبد العزيز على رعيته، فصار الناس يتنافسون في العبادة وفعل الصالحات والخيرات، حتى انعكس عدله على الحيوانات، كما ورد ذلك في الأثر الصحيح أن الأسد والغنم والوحش كانت ترعى في موضع واحد من غير أن يعدو بعضها على بعض.
وقد أثنى عليه الناس كلهم حتى خصوم بني أمية من الخوارج والشيعة، وأشادوا بخلاله الناصعة، وقيامه بأمر الخلافة على أفضل ما يكون، وأجمعوا على أنه من أئمة الهدى والعدل، وأحد الراشدين، واثنوا على علمه الغزير حتى قال أحمد بن حنبل: «لا أدري قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز»، وقال ربيعة الرأي: «والذي نفسي بيده ما أخطأ عمر بن عبد العزيز قط في المسائل الفقهية»، وقال عنه مالك بن دينار: «يقولون مالك زاهد وأي زهد عندي! إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز أتته الدنيا فاغرة فاها فتركها».
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"