تحرير بيت المقدس

نشرت: عدد القراء :6374

media//version4_elmakdshome.jpg

27 رجب 583هـ

مفكرة الإسلام : الحديث عن ملحمة تحرير بيت المقدس يحتاج منا الرجوع بالذاكرة إلى ما قبل تاريخ هذا الحدث العظيم بستين سنة تقريبًا، وهو تاريخ ظهور البطل المجاهد «عماد الدين زنكي» والذي تولى إمارة الموصل سنة 522 هـ، ووضع خطة بعيدة المدى لمحاربة الصليبيين، وحقق انتصارًا كبيرًا سنة 539هـ على الصليبيين وحرر إمارة «الرُها» في الجزيرة الفراتية، وظل يجاهدهم حتى قتل غيلة سنة 541هـ، فحمل الراية من بعده ولده الملك العادل «نور الدين محمود» الملقب بالشهيد، وعلى يديه تحررت الكثير من المدن والحصون من أسر الصليبيين، ولكنه مات قبل أن يحقق هدفه الأسمى وهو تحرير بيت المقدس، فحمل الراية من بعده تلميذه النجيب «صلاح الدين الأيوبي» وذلك سنة 569هـ.

وعلى طريق تحرير بيت المقدس، واجه صلاح الدين الأيوبي عدة عقبات كان لابد من التخلص منها قبل تحرير بيت المقدس، أولى هذه العقبات كانت الدولة الفاطمية الرافضية الباطنية، التي كانت أس البلاء، وأصل الاستدعاء الصليبي إلى المنطقة، ذلك أن من الأمور الثابتة تاريخيًّا أن هذه الدولة هي التي استدعت الصليبيين إلى الشام ليمنعوا تقدم السلاجقة الأتراك إلى مصر، وقد استطاع صلاح الدين الأيوبي أن يقضي على هذه الدولة ويطهر البلاد والأمة من نجسها وآثارها الخبيثة، ثم اصطدم صلاح الدين بعد ذلك بعقبة تفرق الصف المسلم بالشام بظهور الشرور والآثام والأطماع بعد وفاة «نور الدين محمود» سنة 569هـ، ورفض أمراء الشام «دمشق ـ حلب ـ حمص ـ حماة» أن ينضووا تحت راية صلاح الدين، وآثروا أن يدفعوا الجزية للصليبيين، على أن يتحدوا مع صلاح الدين، وقد ظل صلاح الدين يعمل على توحيد الصف بالسلم تارة وبالسيف تارة من سنة 570هـ حتى سنة 578هـ، وتعرض لعدة محاولات للاغتيال من جانب الباطنية الحشاشين ولكن الله عز وجل نجاه، وبعد أن وحد الشام قرر التوجه بكل ما لديه من قوة لحرب الصليبيين.

بدأ صلاح الدين الأيوبي طريقه لتحرير بيت المقدس سنة 580هـ، باستثارة الهمم في مصر والشام والحجاز واليمن واشتعل الجهاد في قلوب المسلمين، وعلى طريق بيت المقدس، فتح صلاح الدين الكثير من البؤر الصليبية، مثل عكا، يافا، طبرية، صيدا، بيروت، عسقلان، اللاذقية، حصون كوكب، الشغر، بكاس، درب ساك، بغراس، صفد، سقيف، صهيون، بيت الأحزان، وغيرها حتى انفتح الطريق إلى بيت المقدس.

ثم جاءت أولى إشارات الفتح بالنصر الكبير في معركة حطين في 25 ربيع الآخر سنة 583هـ وفيها وقع معظم ملوك وأمراء الصليبيين في الأسر، وأخذ صليبهم المقدس، وقتل صلاح الدين بيده الكلب «أرنولد» أمير الكرك الصليبي، وفاءً بنذره الذي قطعه على نفسه انتقامًا من جرائم هذا الكلب الحاقد بحق المسلمين وبحق رسول الله ﷺ.

بعد بشارة نصر «حطين» أصبح الطريق ممهدًا ومفتوحًا إلى بيت المقدس، فنزلت الجيوش الإسلامية بقيادة صلاح الدين الأيوبي على المدينة وحاصرتها في 15 رجب سنة 583هـ، وكان بيت المقدس وقتها يعج بالمقاتلين الذين فروا إليه بعد هزائمهم السابقة أمام المسلمين، وقد أصبح بيت المقدس ملجأ كل صليبي الشام حتى بلغ عدد مقاتليه ستين ألفًا، وقد قرروا الصمود في الدفاع عن المدينة حتى الموت.

أخذ المسلمون في قصف المدينة بالمجانيق وحاولوا اقتحام المدينة عدة مرات، ودافع الصليبيون بشراسة، وحمي الوطيس بشدة، وحنق المسلمون واشتدوا في قتالهم، خاصة بعد أن رأوا قبة الصخرة عليها صليب كبير، فلما أحس الصليبيون بقرب سقوط المدينة، خرج أميرهم «باليان» وطلب تسليم المدينة صلحًا، نظير تأمينهم على أنفسهم وأموالهم، ولكن صلاح الدين رفض بشدة قائلاً: «لا أفتحها إلا عنوة، كما افتتحتموها أنتم عنوة، ولا أترك فيها أحدًا من النصارى إلا قتلته، كما قتلتم أنتم من كان فيها من المسلمين»، وبلغ اليأس بالصليبي «باليان» مداه فرد على صلاح الدين قائلاً: «إن لم تعطنا الأمان رجعنا، فقتلنا كل نسائنا وأطفالنا وأسرى المسلمين ـ وكانوا أربعة آلاف أسير ـ ثم حرقنا الدور، وهدمنا قبة الصخرة والمسجد الأقصى، ثم نخرج لكم بسيوفنا، نقاتل قتال من لا يرجو الحياة»، وعندها وازن صلاح الدين بين المصالح والمفاسد ورأى أن المصلحة في قبول الصلح مع اشتراط الفدية.

وفي يوم الجمعة 27 رجب سنة 583هـ، كان العالم الإسلامي بل والغربي مع لحظة حاسمة في الصراع بين الإسلام والنصرانية حيث دخل المسلمون بقيادة صلاح الدين بيت المقدس، بعد أن ظل بيد الصليبيين منذ سنة 492هـ، أي لأكثر من تسعين سنة، ووقعت مشاهد مضيئة من التسامح والعفو من جانب صلاح الدين بحق الأسرى الصليبيين، اعترف بها المؤرخون الغربيون أنفسهم، والحقيقة التي تتجلى في هذا الحدث العظيم، أن المسلمين وقتها رغم ضعفهم، وتفرقهم، وسطوة عدوهم، لم يدخل اليأس في قلوبهم، على الرغم من طول احتلال الأعداء لبيت المقدس، فلم يعترف أي أمير أو ملك مسلم بالاحتلال الصليبي لبيت المقدس، ولم يعط صك  ملكية لهم بمقدسات المسلمين بدعوى طول المقام والتسليم بالأمر الواقع، بل ظل المسلمون في سعي حثيث لتحرير البيت، تارة يتقدمون وتارة يتعثرون، تارة ينتصرون وأخرى ينهزمون، ولكنهم واصلوا السير ولم ينقطعوا حتى تحقق المراد وتحررت البلاد، وهذا هو الطريق والسبيل، إذا أردنا أن نحرر البلاد المقدسة مرة أخرى.

التعليقات

3 تعليق commemnt

أضف تعليق


    إذا وجدت إعلانا مخالفا اضغط هنا
    facebook twitter rss

    فيديو..عناصر فالكون تتحرش بالطالبات والويل لمن تعترض

    شاهد عناصر فالكون تتحرش بالطالبات.. والضرب والإهانة مصير من تعترض

    30 أكتوبر 2014 06:00:00

    السعودية: قطار الحرمين يصل في نهاية 2014

    أعلنت المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السعودية أن قطار الحرمين سوف يصل لميناء جدة مع نهاية ديسمبر 2014.

    30 أكتوبر 2014 05:50:00

    السيسي يُحاكم على تويتر في أموال سيناء.. ومرسي شاهدًا

    تداول نشطاء على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" تغريدة للرئيس السابق محمد مرسي على الموقع، توضح رأيه في ملف سيناء، وهو تنمية الإقليم عن طريق أهله بمساعدات مالية من الدولة.

    30 أكتوبر 2014 05:40:00

    مسلحو القبائل يحصدون 25 حوثيا في اشتباكات بالبيضاء

    قتل 28 شخصًا في اشتباكات بين مسلحي القبائل وآخرين حوثيين في محافظة البيضاء، وسط اليمن، بحسب مسؤول محلي.

    30 أكتوبر 2014 05:30:00

    داخلية غزة: هذه هي حقيقة الأسماء المتهمة بالتورط في حادث سيناء

    قالت وزارة الداخلية الفلسطينية في غزة: إن الأسماء التي نشرتها صحف مصرية وزعمت وقوفها خلف حادثة تفجير جنود مصريين في سيناء الجمعة الماضية هي أسماء ملفقة وغير حقيقية.

    30 أكتوبر 2014 05:20:00

    نزاهة: ثلثي ممارسات الفساد والإهمال تتركز في هذه المؤسسات

    وقفت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد على 1018 مشروعًا خلال قيامها بالتحري عن أوجه الفساد المالي والإداري في عقود المشروعات الحكومية.

    30 أكتوبر 2014 05:10:00

    هل تتحول ليبيا إلى فيتنام العرب ؟

    قرار التدخل العسكري الجزائري والمصري المشترك ضد ليبيا لن يُتخذ إلا من تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي والذي وضع بنفسه الإستراتيجية الأمريكية نحو تقويض ثورات الربيع العربي

    04 أغسطس 2014 08:46:00

    الشعب المصري أسقط السيسي ومشروعه

    نعم انهارت خارطة السيسي، وما يحدث من محاولات للاستمرار مجرد حلاوة روح، وهم شعروا بالزلزال أكثر من الكثير منا، ففقدوا صوابهم وتخبطوا وسنرى ما يسر الشعب الصابر بإذن الله.

    30 مايو 2014 08:13:00

    رمال الخليج المتحركة

    قبل حوالي 3 عقود، وتحديدًا عام 1981، تأسس «مجلس التعاون الخليجي» لمواجهة الخطر الإيراني المتنامي بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979 .

    10 مارس 2014 09:41:00

    مفارقات بين تركيا أتاتورك وأردوغان

    وفي الأخير، أقول: إن الصخرة التي تعتري طريقنا لا تعيقنا، بل نصعد عليها إلى الأرقى بإذن الله تعالى.

    06 يونيو 2013 02:42:00

    عن الموقف الطائفي والموقف المبدئي

    هذا هو الفرق بين الموقف الحر، وبين الموقف المذهبي أو الطائفي أو الحزبي الذي يتدثر بالمقاومة والممانعة ليخفي سوأته، فيما الأولى أن ينحاز أولا وقبل كل شيء لحرية الشعوب.

    05 يونيو 2013 01:49:00

    الشركات الأمريكية والأوروبية وخطة السطو على النيل

    علينا أن نستعيد قوة الدولة المصرية وأن نوقف عمليات الاستنزاف الحادثة الآن، وعلينا أن نسعى لجمع عمقنا الاستراتيجي الشعبي والعربي والإسلامي لقطع الطريق على من يريدون ذبحنا بكل ما يملكون،

    04 يونيو 2013 09:25:00

    إغلاق